تحول لون السماء تدريجيا إلى قرمزي داكن مع هبوط الغسق، وامتلأ الهواء برائحة الأوراق المتساقطة التي حملها نسيم الخريف واختلطت بالأوراق المتطايرة
كان يتمايل برفق
هذا هو الوصف الوحيد المناسب
كان الطقس نفسه هادئا ولطيفا، من النوع الذي يمنحك شعورا بالوفرة بمجرد رؤيته
وعلى عكس مزاجي، كان الفصل واليوم في سلام تام
…
عقدت حاجبي فورا، ورفضت أن أترك ذهني يشرد ولو للحظة
تبّا، عاد ذلك الإحساس مرة أخرى
ضغطت أصابعي على جبيني
وكأن الأمور لم تكن سيئة بما يكفي، فبمجرد أن رأيت وجهها صار الوضع أسوأ
«ما هذا؟»
ما هذا بالضبط؟
منذ ذلك اليوم، اليوم الذي ازدادت فيه الزراعة الروحية لدي… لا، وبشكل أدق، منذ حادثة تانغ سو يول، وكل شيء يبدو مضطربا
وجه وصوت، شخص ما ظل يظهر في ذهني
لا أستطيع تذكر التفاصيل بوضوح، ومع ذلك لا يكف عن مطاردتي
وأمس فقط، قبل أن أصل إلى هانام، أدركت أخيرا وجه من كنت أريد رؤيته
«أنت… ما أنت؟»
تشونما
هي من كنت أريد رؤيتها
«ما الذي تمثلينه لي بحق؟»
«…؟»
عند سؤالي، مالت تشونما رأسها كأنها لم تفهم
وطبعا لم تفهم، كيف تفهم وأنا نفسي لا أستطيع فهم هذا
«ماذا فعلت بي؟»
كنت أعتقد أنها تعرف
حتى لو تغيرت أمور بين هذه الحياة والحياة الماضية، فهي ما زالت تشونما
وإذا كانت تشونما نفسها التي أعرفها، فهذا النوع من الأمور ليس خارج قدرتها
«عن ماذا تتكلم؟»
«لا تتظاهري بالجهل»
زمجرت وتحركت نحوها في لحظة
«لا بد أنك فعلت شيئا بي»
«لم أفعل»
«لم تفعلي؟»
قبضة
مددت يدي وأمسكت تشونما من ياقتها، وسحبتها نحوي بسهولة
«لا يمكن أنك لا…»
التقت أعيننا عن قرب
نظرت إلي تشونما بالتعبير نفسه الذي كانت تحمله منذ البداية
برزت عيناها الأرجوانيتان بوضوح
كانتا كسماء ليل مرصعة بالنجوم، واضحتين ومبهرتين
وعلى عكس الشياطين الآخرين، كانت حدقتاها تتوهجان بلون نقي ومتفرد، مميز بلا لبس
ولهذا…
ولهذا وجدت نفسي أفكر، ضد كل منطق، أنهما جميلتان
«تبّا»
بمجرد أن أدركت ذلك، تركتها وتراجعت خطوة
«…لقد فقدت عقلي»
لا بد أنني مجنون، لا تفسير آخر
أن أراها جميلة… لا يمكن أن يحدث هذا إلا إذا تم العبث بي
«هل فقدت صوابي تماما؟»
ربما حدث خلل ما في دماغي
أو… هل السبب أن وجهها يشبه وجه وي سول آه؟
ربما كان هذا منطقيا
«لا»
لكن لا، ليس هذا السبب
لو كان الأمر كذلك، لحدث هذا في حياتي الماضية أيضا
هناك خطأ جوهري
ضيقت عيني وحدقت في تشونما بنظرة حادة
«ما بك؟»
مالت تشونما رأسها مرة أخرى، وما زالت تنظر إلي بذلك التعبير البريء
وهذا زاد انزعاجي
«لماذا؟»
لماذا أردت رؤيتها؟
لماذا يحدث لي هذا في الآونة الأخيرة؟
والأهم من ذلك…
«…لماذا تتصرفين معي هكذا؟»
لماذا تتصرف معي بهذه الطريقة؟
صوتها قبل لحظات ظل يتردد في رأسي
«لقد اشتقت إليك»
كان يشبه صوت وي سول آه، لكنه أخفض بكثير ويحمل ثقلا ظل عالقا في ذهني
اشتعل الغضب داخلي
«ما أنت بحق؟»
سحبت مشاعري المدفونة عميقا إلى السطح
«ما الذي يجعلك تشتاقين إلي؟»
حدقت في تشونما بعينين ملتويتين من الغضب، لكن تعبيرها ظل خاليا
«هل لا يحق لي أن أشتاق إليك؟»
كان صوتها هادئا ومتزنا، كأنها تسأل بفضول صادق
«لا، لا يحق لك»
«لماذا لا؟»
«لا يفترض بك ذلك»
«لماذا لا؟»
كررت السؤال بالنبرة نفسها
كان يمكنني أن أعطيها أسبابا لا تحصى، لكن فكرة شرحها كلها زادت ضيقي
«على الأقل، أنت لا ينبغي لك ذلك»
«…»
لأول مرة، تغير تعبيرها قليلا
اهتز أحد حاجبيها حركة خفيفة تكاد لا ترى
تلا ذلك صمت قصير
«لا أفهم»
تكلمت تشونما كأنها فكرت في الأمر ووصلت إلى نتيجة
«لكنني اشتقت إليك»
«…»
طقطقة
اشتدت قبضتي بقوة
استدعيت طاقتي اللهبية وشكلت في يدي رمح اليشم اللهبي السامي، ثم وجهت سنه إلى عنقها
«أنا أمقتك»
«…»
«حتى لحظة موتك، وحتى الآن، أنا أكرهك»
كيف يمكنني أن أراها بصورة إيجابية؟
حتى لو تغير العالم وتغير كثيرون منذ حياتي الماضية…
تشونما لم تتغير
«آخر خيط من ضبط النفس عندي هو أنني بالكاد أمنع نفسي الآن من قتلك»
في البداية، لم أستطع قتلها لأنني لم أملك الوسيلة
وحتى الآن، الأمر ليس مختلفا كثيرا
ما دامت تشونما هادئة ولا تستفزني، فلا سبب لدي للتحرك
لكن يوما ما، يجب أن أنهيها
«لا أعرف ما الذي تحاولين فعله بي، لكن الأمر بلا فائدة»
«…»
لم ترد تشونما
اكتفت بالنظر إلي بتلك العينين الأرجوانيتين نفسيهما، هادئتين كسماء الليل
حتى مع الرمح عند عنقها والحرارة المشتعلة المنبعثة منه، لم ترتجف
هل لأن طاقتي لا تحمل نية قتل؟ أم لأنها ببساطة تعتقد أنني لن أقتلها فعلا؟
صرير أسنان
أطبقت على أسناني
إن كانت تظن ذلك فهي مخطئة خطأ فادحا
شددت قبضتي على الرمح، مستعدا للضرب من هذه المسافة القريبة
لكن
«…»
لسبب ما، جسدي رفض أن يتحرك
«ما خطبك بحق؟ تحرك!»
لم يكن تدخلا خارجيا
إرادتي أنا هي التي كانت توقفني
كان عقلي يصرخ في جسدي ليتحرك، لكن كل ذرة في كياني كانت تقاوم
وكأن غريزة بدائية تخبرني أنني يجب ألا أؤذيها
قاومت ذلك ودَفعت الرمح إلى الأمام بالقوة، لكن في النهاية لم أستطع التحرك
«تبّا»
تمتمت بالشتيمة وسحبت يدي
تلاشى الرمح، وأحرقت حرارته العشب تحتنا
دوي قوي
اندفعت عاصفة هواء عبر الحقل، وسوّت العشب في طريقها
بقيت الحرارة العالقة في راحة يدي، فمسحت بها وجهي محاولا تهدئة غضبي الصاعد
«هااا…»
مهما نظرت إلى الأمر، فهذا ليس طبيعيا
كيف وصل الوضع إلى هذا؟
وبينما كنت أتصارع مع عاصفة المشاعر التي تدور داخلي
«هل تكرهني؟»
قطع صوت تشونما الهواء
«قلت لك قبل قليل، أنا أمقتك»
«سمعت ذلك»
إذن لماذا تسألين؟
وما إن تشكل السؤال في ذهني حتى قالت
«لكن… لم تقل إنك تكرهني»
كلماتها جعلت عبوسي يزداد
«ماذا؟»
«أنت لم تقل إنك تكرهني»
«أي هراء هذا…»
هل كانت تحاول التفريق بين الكره والمقت؟
كانت لعبة ألفاظ سخيفة
«هل تكرهني؟»
سألت تشونما مرة أخرى، بصوت هادئ فيه فضول خفيف
أطلقت ضحكة مرة قبل أن أجيب
«أنا…»
«نعم، أكرهك، أكرهك لدرجة أنني أستطيع قتلك»
هذا ما حاولت قوله، لكن فمي لم يتعاون
لم أجد أي صعوبة في قول إنني أمقتها، لكن لماذا لا أستطيع أن أنطق بأنني أكرهها؟
يداي وفمي بديا وكأن لكل منهما إرادة مستقلة، تخونني بطريقة لا أفهمها
ومع ذلك، كان هذا أفضل من السابق
«…نعم، أنا أكرهك، بما يكفي لأرغب في قتلك»
«…»
أجبرت الكلمات على الخروج، فخرجت أخيرا من فمي
اتسعت عينا تشونما قليلا عند سماع اعترافي
وفي الوقت نفسه، مر اهتزاز خفيف في صدري
كان شعورا مزعجا
حتى وأنا أقولها، شعرت بنفور شديد، ليس منها، بل من نفسي لأنني قلتها
لماذا أشعر هكذا؟
أنا فقط قلت ما يجب أن يقال
«…ما الذي فعلتِه بي بحق؟»
بدأت أواجه تشونما، ثم تجمدت
كان تعبيرها غريبا
نظرتها التي كانت مثبتة علي هبطت إلى الأرض
يدها البيضاء انقبضت في قبضة، وشفاهها القرمزية عضت على نفسها عضّة خفيفة
هيئتها…
«إنها تبدو متألمة»
هل يمكن أن تشعر تشونما بالألم فعلا؟
ذلك الكائن الذي كان يضحك في كل موقف، مهما كان عبثيا أو قاسيا، يتألم لمجرد اعتراف بسيط بالكراهية؟
«لا تضحكني»
لا يمكن
تشونما لا تتأثر بشيء كهذا
هذا ما قلته لنفسي
لكن صدري كان يؤلمني
هل السبب أنها تشبه وي سول آه كثيرا؟
نعم، لا بد أن هذا هو السبب
«ما هذا الوجه؟»
«…هل تكرهني إلى هذه الدرجة؟»
«نعم»
«…لماذا؟»
«هل يجب أن أشرح لك فعلا؟ أنت قلتِها بنفسك قبل قليل، أليس كذلك؟»
كان في عينيها شوق لا يمكن وصفه
تجاهلت ذلك، وتكلمت كأن نظرتها مسامير تخدش روحي
«قلتِ إنك أردتِ رؤيتي، وأنا كذلك أشعر بالأمر نفسه»
ابتلعت ضيقي وأجبرت نفسي على المتابعة
«أنا فقط لا أحبك»
«…»
كان هناك أشخاص تركتهم وشأني معهم، معتقدا أن هذه الحياة ستكون مختلفة عن الماضية
لكن…
«أنت لستِ منهم»
مهما نظرت إلى الأمر، لا أستطيع أن أمنح تشونما التساهل نفسه
بالنسبة لي، هي وجود من هذا النوع
«…»
لم ترد تشونما على كلماتي
استقر بيننا صمت ثقيل
«إذن…»
وأخيرا، كأنها كانت تحبس السؤال، سألت تشونما
«…لماذا جئت إلي؟»
«…»
إذا كنت أكرهها وأمقتها إلى هذا الحد، فلماذا أنا هنا؟
هذه المرة تركني سؤالها بلا كلام
كان سؤالا أنا نفسي أريد معرفة إجابته
«لماذا؟»
لماذا جئت إلى هنا لرؤية تشونما؟
مع رسالة السيدة مي، وأمور والدي، والمشكلات المتعلقة بطائفة الشياطين التي تدور في رأسي، لم يكن لدي أي سبب للبحث عنها
حتى إنني تركت الآخرين خلفي وجئت إلى هنا
ومع ذلك، ها أنا أقف هنا
أريد رؤية المرأة التي أمقتها، المرأة التي أكرهها، المرأة التي أنوي قتلها
«لماذا؟»
تكرر السؤال في ذهني
كان موجودا طوال الرحلة، حتى وأنا أسير نحوها
لماذا كنت أسير نحو تشونما؟
لم يكن ذلك لقتلها
إذن لماذا…؟
«…»
كان سؤالا لا أستطيع الإجابة عنه
أو بالأحرى، أعرف الإجابة لكنني أرفض الاعتراف بها
«لقد اشتقت إليك»
عندما قالت تشونما هذه الكلمات، والمشاعر التي تحركت بداخلي
كنت أكره تلك المشاعر
لأنها مشاعر لا ينبغي لي أن أشعر بها
قبضة
شددت قبضتي بقوة حتى ارتجفت من شدة الضغط
«…»
هبطت نظرة تشونما للحظة إلى قبضتي المرتجفتين، ثم عادت تنظر إلي
«…فهمت»
رغم أنني لم أنطق بكلمة، بدا أنها وجدت إجابة في تصرفاتي
ظهر على وجهها أثر شفقة خفيف
هذا أغاظني
ذلك التعبير، وصوتها الذي بدا مختلفا بخفة مزعجة،
والمشاعر التي لا تتوقف عن الاضطراب داخلي، كنت أكرهها كلها
وقعت عيناي على كتفيها الصغيرين
بدتا نحيفتين وهشتين، كأنني أستطيع سحقهما بيد واحدة
قبل أن أشعر، امتدت يدي نحوها
تفاجأت فتوقفت بسرعة
لكن
قبضة
«…!»
فجأة، أمسكت تشونما بمعصمي
«ما هذا…!»
ولم يكن هذا نهاية الأمر
ما حدث بعدها وسّع عيني من الصدمة
طنين
تشونما، وهي ما زالت تمسك بمعصمي، بدأت تجمع الطاقة في يدها الأخرى
اندفعت الطاقة الروحية المظلمة منها، كثيفة وقوية
في اللحظة التي رأيتها فيها، شعرت بالخطر
كثافة هذه الطاقة وحدتها ليست أمرا بسيطا
إذا أصابتني مباشرة، فالضرر سيكون مدمرا
«ما هذا بحق؟»
هل كانت تنوي قتلي فقط لأنني قلت إنني أكرهها؟
بسرعة، استدعيت طاقتي أنا استعدادا للمواجهة
اندفعت النيران حولي وأنا أتهيأ للرد
اندفاع حاد
لكن بدلا من ذلك، سحبتني تشونما إلى عناقها
أزيز احتراق
حرارة نيراني أحرقت جسدها، لكنها لم تبد أي اكتراث
يدها الممدودة أطلقت الطاقة الروحية المظلمة التي جمعتها
انفجار
اندفعت موجة الطاقة الروحية المظلمة إلى الأمام، ومزقت الفضاء أمامنا
تصرفها المفاجئ أربكني
لماذا تفعل هذا؟
نظرت إليها وعيناي متسعتان من الحيرة
لكن نظرها لم يكن علي
بدلا من ذلك، كانت تحدق إلى الأمام، إلى المكان الذي ضربته طاقتها قبل لحظة
كان وجهها ملتفّا بالعداء، وتعبيرها ممتلئا بالضغينة
«ما الذي أنت…»
بدأت أتحدث، لكن
ارتجاف بارد
سرى برد حاد في عمودي الفقري
أدرت رأسي فورا باتجاه نظرتها
ثم رأيته
في البعيد، كان شخص ما يسير نحونا
يداه مشبوكتان خلف ظهره، وخطواته بطيئة غير مستعجلة
خفق خفق
مجرد رؤيته جعل قلبي يتسارع بلا سيطرة
دق دق دق
صار تنفسي مضطربا، وارتفعت غثيانتي إلى حلقي وأنا أحدق في ذلك الشكل
«لماذا ذلك الوغد هنا؟»
كان ذلك الشخص ممن أعرفهم
حتى من هذه المسافة، كانت غريزتي تصرخ بهويته
وحتى بلا ذلك، كانت عيناه القرمزيتان لا تخطئان
ضحكة جافة
وصلت إلى أذني ضحكة يابسة ومخيفة، كأنها تفسدهما
«يا له من ترحيب دافئ»
«…»
وقفت تشونما، وطاقتها اندفعت مرة أخرى
طنين
التفت الطاقة الروحية المظلمة حول يديها مجددا، مشعة بعداء طاغ
«يا للخسارة…»
صاحب العينين القرمزيتين، دوكغو جون، لا، شيطان الدم، هز رأسه كأنه يندم تهكما
«آدابك ناقصة جدا»
كلما اقترب، ازداد دمي اشتعالا
«شيطان الدم…»
ومع ذلك
«يسرني أن أراك»
لسبب ما، لم يكن شيطان الدم ينظر إلي
عيناه، الملتويتان بابتسامة، كانتا مثبتتين على تشونما
تكلم بنبرة تقطر ضغينة
«ابنتي»
«…!»
عند كلماته، ملأ الهواء عفن الدم، كثيفا خانقا لا مهرب منه