ما إن جاء الصباح، رغم أنه كان في الحقيقة وقت الفجر، حتى خرجت إلى الخارج
لم يكن يهم إن كان فجرا أو صباحا، ففي كلتا الحالتين سأكون منشغلا
“التحية لقائد القسم!”
أدى أفراد وحدتي التحية العسكرية وأنا أمر بجانبهم، وكانت تحياتهم تخفف عني شيئا من الإرهاق
بعد عدة ليال من دون نوم، بدأ التعب يلحق بي، ولم يكن تعبا جسديا بل ذهنيا
‘هناك أمور كثيرة جدا يجب التعامل معها’
رغم أنني أنهيت مهمة كبيرة، بقيت أعمال كثيرة تنتظرني، وكان رأسي يؤلمني باستمرار حتى صار استخدامي للطاقة عادة لتبديد هذا الانزعاج
ششش!
عندما دورت الطاقة الداخلية في جسدي، خف الضغط والألم، وعندها فقط شعرت بتحسن بسيط
“هل يسير العمل عندكم بشكل جيد؟”
“نعم يا قائد القسم!”
كان معظم أفراد الوحدة مشغولين بتجهيز الإمدادات، على الأرجح بسبب الأوامر المفاجئة التي صدرت في منتصف الليل
كنا سنغادر إلى هانام في اليوم التالي، وكنت قد أصدرت أمر الاستعداد
لا بد أن الأمر كان مفاجئا، ومع ذلك حزم الأفراد كل شيء من دون اعتراض
كان هذا متوقعا طبعا
‘هم يعرفون جيدا أن التذمر قد يكلفهم ضربا’
بعد أشهر من السفر معا، ترسخ فيهم الدرس تماما، عندما أقول اقفز فإنهم يقفزون
‘ليس هناك في الأصل الكثير لنحزمه’
وصلنا ومعنا بالكاد أكثر من الملابس التي علينا
حتى مؤونة الطعام كانت تؤمَّن عادة عبر الصيد
وبسبب مستوياتهم العالية في الزراعة الروحية، كانوا قادرين على البقاء أياما من دون طعام من غير مشقة كبيرة
وهذه المرة لن تكون مختلفة غالبا، سيدفعون أنفسهم إلى حدودهم، ولكن بالقدر الذي يسمح لهم بالتحمل فقط، وهذا ما أفضله
‘مشاهدتهم وهم يقاومون الصمود ترضيني دائما’
الاقتراب من حافة الإنهاك مع الإصرار على تجاوزها يقود دائما إلى النمو
“هل ستكونون جاهزين قبل الظهيرة؟”
“سننتهي قبل ذلك بوقت طويل يا سيدي!”
كانت ثقتهم واضحة، ولحظة واحدة فكرت أن أقدم الموعد ساعتين، لكنني تراجعت
“جيد، أين نائب قائد القسم؟”
“آه، من المفترض أن نائب قائد القسم في المساكن الشمالية، سمعت أن هناك شيئا يحتاج إلى الإشراف عليه”
“فهمت”
استدرت لأغادر، لكن أحد الأفراد أوقفني فجأة وهو يبدو متفاجئا
“قائد القسم، أنت تتجه جنوبا، نائب قائد القسم في الجهة المعاكسة”
“أعرف”
“…عفوا؟”
“قلت إنني أعرف”
اخترت الطريق الخاطئ عمدا
بعد ما حدث أمس، لم أكن مستعدا بعد لمواجهة تانغ سو يول أو الآخرين
لاحقا
اتجهت إلى الجهة الخلفية من المساكن، إلى الحقول الجنوبية
لم أختر الجنوب عمدا فقط كي أتجنبهم، كانت وجهتي الفعلية في ذلك الاتجاه
عندما وصلت إلى السهول العشبية، كان هناك من ينتظرني بالفعل
اقتربت منه وحييته
“هل انتظرت طويلا؟”
“لا، لقد وصلت للتو”
“أنت تكذب، أليس كذلك؟”
“لا، لا أكذب”
كان الواقف أمامي رجلا شاحبا قليل الكلام بذراع واحدة، ملك الظل
حتى وهو ينفي، لم أصدقه
‘هذا واضح’
على الأرجح أنه كان هنا منذ وقت طويل، وربما منذ منتصف الليل
ملك الظل هكذا دائما، حاضر باستمرار، ومع ذلك يبدو كأنه غير موجود في أي مكان
وجوده بقي خافتا حتى الآن
‘ليس من السهل التقاط أثره’
رغم حدة حواسي بسبب الزراعة الروحية، ظل وجوده مراوغا، أستطيع إيجاده إن تعمدت البحث، لكن إن أخفى نفسه فعلا فهل سأتمكن من العثور عليه؟
جاء الجواب فورا
‘لا، ليس بعد’
لكنني أعرف أن بلوغ ذلك المستوى لن يتأخر كثيرا، إنها مسألة وقت فقط
“أحضرت ما طلبته، إنه محفوظ في عربة الطعام ومحمي بإحكام عبر مصفوفة، كن حذرا عند التعامل معه”
“شكرا”
الشيء الذي قصده لم يكن سوى صندوق خشبي يحتوي على يويجو، لؤلؤة التنين الأسطورية
‘حتى مع اضطراب الجدول، يجب أن أبقيه مؤمنا’
لم تتح لي فرصة استخدامه بشكل صحيح بعد، والشخص الوحيد الذي استُخدم عليه كان سونغ يول
كنت أنوي استخدامه للآخرين بعد يومين، لكن الأحداث الأخيرة عطلت تلك الخطة
حالما نعود إلى هانام، يجب أن أضع هذا في صدارة الأولويات
‘ولا يزال هناك بحث يجب إنجازه’
ليس فقط لؤلؤة التنين، بل حتى ماء البركة الجوفية، أحتاج إلى تحديد خصائصهما الدقيقة
وبالطبع لن أتولى ذلك بنفسي
‘سأترك الأمر للطبيب العظيم’
قد يكون سريع الانفعال، لكنه ينفذ دائما حين يُطلب منه ذلك، وأنا واثق أنه سيفعل الشيء نفسه هذه المرة
وبالمناسبة، يمكنني أن أتعلم المزيد من تقنياته
هذه المعرفة ستكون ثمينة جدا، خاصة للتقنيات التي أحاول إتقانها
‘منذ أشهر وأنا أحاول شيئا ما، لكن… لا شيء’
رغم المحاولات المتكررة، لم أحقق أي تقدم
كان علي أن أعترف
‘هذا مستحيل حاليا’
مع أن الزراعة الروحية لدي في فن عجلة نار اللهب التسع بلغت الذروة، فهذا لم يكن كافيا، لكنني متأكد أنه سيصبح كافيا لاحقا
لماذا؟
‘مجرد إحساس داخلي’
لا أعرف السبب، لكن حدسي قال ذلك، وحدسي، بشكل يثير الضيق، غالبا ما يكون صحيحا، خاصة في النذر السيئة
لكي أحقق ما أريده، أحتاج إلى معرفة أعمق بفنون السحر، وهذا واضح
“والآن دعني أسأل، هل ستأتي معنا؟”
بقي ملك الظل صامتا أمام سؤالي
كما توقعت
“…أعتذر”
جوابه النهائي كان الرفض، ولم أتفاجأ
‘هل كان سيأتي لو صغت الأمر كأنه أمر مباشر؟’
الفكرة أضحكتني للحظة، لو أصررت، هل كان رفضه سيختفي؟
لكنني لم أختبر ذلك
“مفهوم”
لا يستحق الأمر أن أوتر علاقتنا بسبب فضول عابر
وفوق ذلك، إذا كان سيبقى هنا فهذا يعني غالبا أن لديه أمرا مهما يركز عليه، وعلى الأرجح له علاقة بيون إلتشون
مع ذلك كان الأمر مخيبا
ملك الظل ورقة قوية جدا، وربما أقوى قوة تحت تصرفي
حتى من دون استعادة طاقته الشيطانية كاملة، كان عونا هائلا
لكن رغم ذلك
‘بعض الأمور يجب تركها’
“بما أنك هنا، هل أستطيع طلب خدمة؟”
“بالتأكيد”
لم يكن هناك أي تردد في رده، كما هو دائما
“إذا كنت ستبقى في سيتشوان، فقد يصل أشخاص من المقر الرئيسي بعد بضعة أشهر، وعندما يصلون أريدك أن تبطئ تقدمهم”
“أبطئهم؟ إلى أي درجة؟”
“بقدر يكفي لتأخير تحقيقهم، لكن إن لزم الأمر يمكنك قتلهم”
“كلهم؟”
“همم”
بعد توقف قصير، رتبت أفكاري بسرعة وتابعت
“فقط من يستحق القتل فعلا، وأترك لك هذا التقدير”
“مفهوم”
لم تكن هناك حاجة إلى شرح إضافي
كان معيارا غير محدد تماما، لكن ملك الظل لم يطلب تفاصيل أكثر
‘إن اضطررت للتخمين لماذا…’
فالسبب غالبا أن معاييره ومعاييري متشابهة
عندما عدت إلى المساكن، رأيت أن الاستعدادات قاربت الاكتمال
‘هذا كان سريعا’
قالوا إنهم سينتهون قبل الظهيرة، لكنهم كانوا متقدمين كثيرا على الجدول
كفاءة كما توقعت
‘أرأيتم؟ الناس تتحسن عندما تدفعهم بقوة’
مثل الأداة المعطلة التي تستجيب بعد الضرب، الناس أيضا يصبحون أكفأ تحت الضغط
“هاه؟”
“ما الأمر؟”
“ل لا، فقط… شعرت بقشعريرة فجأة”
“آه، نعم، الجو صار أبرد في الآونة الأخيرة”
تمتم أحد أفراد الوحدة وهو يرتجف بوضوح وبنبرة متوترة، هذا الرجل حاد الملاحظة
ابتسمت بسخرية ومسحت المكان بنظري، وكما قيل سابقا كانت التحضيرات في مراحلها الأخيرة، وبعد الانتهاء إما نغادر فورا أو ننتظر قليلا قبل التحرك
كنت أريد المغادرة بأسرع ما يمكن، لكن
‘إذا توفر لي وقت قصير، يجب أن أقابل مدير الفرع وأرفع تقريرا أخيرا إلى ملك السموم’
كان من المهم إغلاق كل الملفات المفتوحة قبل الرحيل
كنت أنظم أولوياتي في ذهني عندما
“قائد القسم”
وصلني صوت ناعم عذب، وفي الوقت نفسه لامست أنفي رائحة زهور خفيفة
تصلبت ملامحي قليلا وأنا ألتفت
أول ما رأيته كان شعرا ذهبيا يلمع تحت ضوء الشمس
كانت وي سول آه
“…آه…”
“التحضيرات اكتملت”
“ه هل كذلك؟ أحسنتِ عملا”
حاولت أن أحافظ على هدوء نبرتي، لكن صوتي خانني وارتجف بلا سيطرة
كان السبب ما قالته تانغ سو يول
نظرة وي سول آه لم تهتز وهي تنظر إلي، كانت عيناها ثابتتين إلى حد جعلني أشعر بالاضطراب
“قائد القسم، هل أنت بخير؟”
“ن نعم، أنا بخير”
أجبرت نفسي على ألا أصرف بصري، لكنها لا بد أنها لاحظت أن عيني ظلت ترتجف
“…قائد القسم؟”
“آه، تبا”
الكلمات التي أردت أن أقولها داخليا خرجت بصوت مسموع
اتسعت عينا وي سول آه عندما سمعت الشتيمة المفاجئة
في هذه الحياة، لم أسب أمامها ولا مرة، لكن هذه المرة لم أتمكن من كبح ذلك
بصراحة، وجودها هو ما جعل الموقف أصعب
“وجودك اليوم يربكني بشكل لا يطاق، توقفي عن جعل الأمر أصعب علي”
“…ماذا؟”
“…لماذا تضعينني في هذا الارتباك؟”
“ل لا… أقصد… أنا…”
اعترافي المندفع أربك وي سول آه بوضوح، فهي كبيرة بما يكفي لتعرف أثر حضورها
وربما سمعت كلمات مشابهة مئات المرات من آخرين
ومع ذلك، كلمات بسيطة كهذه زلزلتها، وحتى رد فعلها كان
‘تبًا’
ارتجفت يدي فور مرور الفكرة في ذهني
كدت أصفع نفسي، لكنني كتمت الاندفاع بصعوبة
‘هذا فوضى كاملة’
منذ تلك الحادثة وأنا أشعر أن عواطفي تنفلت من السيطرة
في هذه اللحظة أردت أن أتصرف باندفاع وأتجاوز حدودي
صفعة!
لأنني لم أستطع إيقاف نفسي، صفعت وجهي بيدي
“قائد القسم!”
مذعورة أمسكت وي سول آه بذراعي، وكان صوتها يرتجف، حتى طريقة مخاطبتي تغيرت من شدة قلقها
“لماذا… لماذا فعلت هذا؟!”
“أنا بخير، كنت فقط أحتاج أن أستعيد توازني”
“ماذا تقول أصلا…؟”
كان علي أن أستعيد السيطرة
‘ما الذي يحدث لي بحق؟’
دق دق
كان قلبي يخفق بعنف كأنه يدفعني إلى الاستسلام
كان هذا اندفاع تملك خالصا، جوعا للسيطرة يهمس لي، لماذا التردد؟ خذ كل شيء
‘لطالما كانت لدي نزعة تملك، لكن هذا مختلف’
كان هناك شيء مكسور داخلي يجعل جسدي يتمرد علي
ترددت كلمات تانغ سو يول في رأسي
كانت تقول إن نزعة التملك لدي مبالغ فيها
لم أرد الاعتراف، لكن هذا صحيح، ليست قوية فقط بل طاغية
كتمت موجة المشاعر وسألت
“…أين الآخرون؟”
“آه… الأخت بي آه تنهي استعداداتها، والأخت سو يول يفترض أن تصل قريبا”
نامغونغ بي آه كانت ما تزال تتعافى، وتانغ سو يول كانت على الأرجح تنهي بعض المهام في مكان آخر
“فهمت”
أطلقت زفيرا عميقا، وكان في أنفاسي حر واضح لا يمكن إنكاره
‘هذا خطير’
هذا كان خطيرا فعلا
مع ارتفاع مستوى الزراعة الروحية، يفترض أن يزداد الصبر، لكن حالتي كانت اندفاعا جامحا بلا اتزان
اندفاع جامح؟
‘وصف خشن، لكنه دقيق’
هذا بالضبط ما كان يحدث
وبصورة مثيرة للشفقة، هذه كانت حالتي الآن
“قائد القسم…؟”
نظرت إلي وي سول آه بقلق، وكانت عيناها الصافيتان الجميلتان ممتلئتين بالخوف علي
هدوؤها القريب مني زاد ارتباكي أكثر
قبل أن أستوعب الأمر، تحركت يدي نحوها بلا وعي
لكن
خفق! صفير!
هبط طائر فجأة على كتف وي سول آه فقطع اللحظة تماما
“هاه؟”
التفتت وي سول آه إلى الطائر بدهشة، وتبعت نظرها
‘طائر مراسلة؟’
أي شخص يمكنه تمييزه فورا
ضيقت عيني واقتربت لأتفحصه، لكن الطائر نقر ظاهر يدي كأنه يحذرني من الاقتراب
ومع ذلك، ظل هادئا تماما تحت لمسة وي سول آه
“هناك رسالة مربوطة في ساقه…”
فكت وي سول آه الرسالة بحذر وسلمتني إياها
ما إن رأيت الشعار المختوم عليها حتى اسود وجهي
في جونغيوان، لا توجد إلا جهة واحدة تستخدم شعار زهرة بهذا اللون
‘شركة بايكهوا التجارية’
كانت الشركة التي تقودها مي هوران، أمي
وهذا الشعار
‘إنه الختم المباشر للرئيسة’
هذا يعني أن مي هوران كتبتها بنفسها
‘ما الذي يحدث؟’
رسالة مفاجئة من شركة بايكهوا التجارية كانت أمرا غير معتاد، أملت رأسي وفتحت الرسالة
“…”
بينما كنت أقرأ المحتوى، تجمد جسدي في مكاني
“والدك ارتكب جريمة بحق التحالف وتم سجنه”
الخفقان الناري في صدري انطفأ، وحل مكانه برد قاس انتشر كالصقيع