رأسي يدور
كلما تردد صوت غير مألوف في ذهني شعرت برغبة في التقيؤ
أمسكت صدري وحاولت أن أضبط أنفاسي، لكن حتى هذا لم يكن سهلا
ما هذا؟ ما هذا الشعور؟
تشوش بصري
الأصوات التي سمعتها بدأت تحجب رؤيتي، وتبدل المشهد
ما كنت أواجهه، تانغ سو يول في منتصف الليل، اختفى وحل محله منظر غريب
كان ضبابيا جدا بحيث لا أستطيع الرؤية بوضوح، لكنه بالتأكيد لم يكن ليلا
بل بدا نهارا ساطعا
ألوان أوراق الخريف الخفيفة كانت تلمح إلى الفصل الحالي
أين أنا؟ أين هذا؟ وفي أي وقت؟ ولماذا يحدث لي هذا؟
ثم
فقط قليلا بعد
رغم ارتباكي، وجدت نفسي أركز على المشهد وأريد أن أرى أكثر
لم أستطع أن أصرف عيني عنه
أو ربما كنت أشتاق إليه ببساطة
كان شعورا لا أفهمه
لكن لسبب ما أردت أن أراه
الشخص الجالس بلا تعبير أمام كوخ لم أره من قبل، كان أنا وشخصا آخر
نعم، هكذا تماما
ابتسمت المرأة، وكأنها راضية لأنني ناديت اسمها
لكن بعدها
ابق هكذا دائما، أرجوك ابق هكذا دائما
كان في صوتها المبتسم حزن لا تفسير له، فدفعتني تلك النبرة إلى أن أسأل
لماذا؟
لماذا أنت حزينة هكذا؟ لماذا تبدين بهذا الأسى حتى بعد أن نلت ما أردت؟
سألت، لكن لم يصلني جواب
هل لأنها لم تجب؟
أم لأنني لم أستطع سماع الصوت داخل ذاكرتي؟
لم أعرف
قوليها
لكنني أردت سماعه
أخبريني
أردت أن أمسك بها وأنتزع منها جوابا، لكنني داخل الذكرى بدوت عاجزا عن الكلام أكثر
كان الأمر خانقا
العجز عن الحركة، وهذه اللحظة، جعلا كل شيء أكثر خنقا
لماذا أنا متعجل ومحبط هكذا؟
لم أعرف هذا أيضا
تحرك، اللعنة
شددت أسناني وقاومت، رغم أنني أعرف أن محاولاتي لن تجعلني داخل الذكرى أتحرك
ومع ذلك شعرت أن علي أن أحاول
وبينما أبذل كل قوتي في محاولة عبثية
وش
…!
بدأت صورتي الضبابية تتحرك
هل أنا من يتحرك؟ لم أكن متأكدا، لكن الحركة وافقت ما أريده
ارتفعت يدي
فارتجفت المرأة عندما رأت ذلك
وظل وجهها محجوبا بالضباب
…أنت؟
بدا صوتها مصدوما
في تلك اللحظة
سيدي الشاب…!
…!
ذلك النداء المفاجئ أعادني إلى الواقع
سيدي الشاب… هل أنت بخير؟
…آه
ظهر وجه تانغ سو يول
مدت يدها ومسحت خدي برفق
لماذا… لماذا تبكي يا سيدي الشاب؟ هل السبب أنا…؟
أبكي؟
دفعتني كلماتها لأن أمسح عيني بسرعة
كان هذا صحيحا
كانت عيناي رطبتين بالدموع ولو قليلا
لم أصدق
ما هذا؟
لماذا أبكي فجأة مثل أحمق ضعيف؟ وما كانت تلك الذكرى قبل قليل؟
غرقت في الحيرة وترددت
أنا… أنا آسفة…
أعادني صوت تانغ سو يول، فحولت بصري إليها
ماذا؟
هذا بسببي، صحيح؟ أنا آسفة… لم أقصد، أنا فقط…
ماذا تقولين؟ ليس هذا السبب
حاولت طمأنتها بسرعة، لكن ملامحها المضطربة لم تتغير
أنا آسفة
انتظري، لا…
سأتركك وحدك، أرجوك ارتح جيدا
قبل أن أوقفها استدارت تانغ سو يول لتغادر
لوهلة فكرت أن أتركها، لكنني لمحت عينيها وهي تدير ظهرها
كانت عيناها المحمرتان على وشك الانهمار في أي لحظة
وعندما رأيت ذلك تحركت يدي قبل أن أفكر
أمسكتها وسحبتها إلى حضني
…أنا آسف
…
ليس الأمر كذلك، حقا ليس كذلك
شرحت بسرعة وبارتباك
تانغ سو يول لم تقل شيئا، واكتفت بأن تشد على ظهري بقوة
سؤالها السابق عما إذا كنت أحبها عاد إلى رأسي
ما الجواب الذي كنت أنوي قوله؟
لم أحتج إلى البحث عنه
كيف أنسى شيئا حدث قبل لحظات فقط؟
المشكلة كانت
لا أستطيع الإجابة عن ذلك الآن
لم أستطع أن أنطقها
تحركت تانغ سو يول قليلا بين ذراعي
…لماذا؟
كان صوتها خافتا بالكاد يسمع
هل لأنك غير متأكد…؟ أم أن هناك سببا آخر؟
الارتجاف في صوتها كشف قلقها العميق
…لا، ليس هذا ولا ذاك
غير متأكد؟ لا، ليس هذا
وهل ليس حبا؟ هذا أيضا غير صحيح
فقط… لا أستطيع قولها الآن
على الأقل ليس الآن، ليس في هذه اللحظة
لو قلتها الآن لانفجر كل ما كنت أكبته بلا سيطرة
بطريقة ما، أنا متماسك حتى الآن
رغم أنني أحمق، أعرف نوع المشاعر التي تدور حولي
وهذه المشاعر المتجهة نحوي شيء يصعب علي التعامل معه
لكن كان علي أن أتحمل
لأن الوقت الآن ليس مناسبا
لم أنجز شيئا، ولم أحل أي شيء
وحتى أفعل ذلك، ليس هذا وقت قولها
على الأقل بعد أن ينتهي كل شيء
على الأقل عندها
لذا… انتظري قليلا فقط
…
اشتدت قبضتها على ظهري
كم يعني قليل؟
كان سؤالا طفوليا
يشبه الوقت الذي سألت فيه أنا سابقا كم يوما بقي على لحظة معينة
كيف أجيب؟
لم يكن لدي وقت لأغرق في التفكير
هذه المرة كان علي أن أقول ما في قلبي
لن يطول الأمر
حتى لو لم يكن جوابا حاسما، فهذا أفضل ما أستطيع قوله
فعلا لن يطول
لا، وحتى لو طال فسأجعله لا يطول
…
تانغ سو يول لم تناقش جوابي الغامض
بقيت فقط في مكانها، تسند رأسها إلى صدري
وبعد صمت طويل
…حسنا
تكلمت تانغ سو يول وهي ما زالت مستندة إلي
سأنتظر… لأنني واثقة أنني أستطيع
كانت كلماتها تحمل مرارة غريبة
لكن بالمقابل…
رفعت تانغ سو يول رأسها
التقت عيوننا
وما زالت عيناها محمرتين
عندما يأتي الوقت وتستطيع قول تلك الكلمات، قلها لي أنا أولا
…ماذا؟
أعرف
أعرف أنك لست من النوع الذي سيقول تلك الكلمات لشخص واحد فقط
…
شعرت أنني حقير
لم أستطع إنكار ذلك
لكنني لم أستطع أيضا أن أصرف نظري، فابتلعت قلقي
مهما فعلت ومهما كان شكلك، أعرف أنني لست الوحيدة التي يمكن أن تحب حتى ذلك الجزء منك، لذلك لا بأس
…
ضحكت تانغ سو يول بخفة
وجهك يبدو مضحكا جدا الآن يا سيدي الشاب
…هذا…
هل تعدني؟
طلبها كان بسيطا
عندما يأتي الوقت، علي أن أقولها لها أولا
حككت خدي وترددت قبل أن أجيب
…سأحاول
حسنا
يبدو أن هذا الجواب الضعيف كان كافيا لتبتسم تانغ سو يول
تأكد أنك ستفعل
ازدادت ابتسامتها إشراقا، فرددت بابتسامة متكلفة
وعندما بدا أن الحديث يقترب من نهايته
لكن يا سيدي الشاب
هم؟
سألت تانغ سو يول
من هي ييهوا؟
…
اللعنة
تجمدت الأجواء في لحظة
كانت تانغ سو يول تبتسم، لكن ابتسامتها كانت مخيفة
إذا سمعت ذلك إذن
يبدو أنها التقطت الاسم الذي نطقته بلا وعي
بمعنى آخر، وقعت في ورطة كاملة
هل هي امرأة؟ من تكون؟
…هل قلت ذلك؟ أنا لا…
تعبير وجهك يقول إنك تعرف أنك قلته
…
اللعنة
فكرت جديا في الهرب، لكن ذراعيها حولي اشتدتا
اشتدتا لدرجة جعلتني أخاف أن ينكسر جسدي
طقطقة
آه… هذا يؤلم؟
هذا مقصود
آه صحيح
فهمت
المقصود أن يؤلم
حسنا، أظنني أستحق ذلك
من هي؟
…آه، هذا…
سيدي الشاب، أكره قول هذا، لكنني حقا لا أحب أن يزداد العدد
من الذي يزيد الأعداد هنا؟
لديك ضمير، أليس كذلك؟ صحيح؟
…
هل لدي؟
شعرت أنني تجاوزت الحد حتى أسأل هذا السؤال
…صحيح؟
طبعا، بالتأكيد
كان في صوتها حد حاد، فأجبت بسرعة
الآن وقت اختراع ضمير إن لزم الأمر
من هي؟
نبرتها أوضحت أنها لن تترك الموضوع
ولا حتى مسألة تشونما أوصلتها إلى هذا المستوى من الحدة
والمشكلة هي
…لا أدري
ماذا؟
لم يكن لدي جواب أقدمه فعلا
من يمكن أن تكون؟
ماذا تعني…؟
أنا حقا لا أعرف
من يمكن أن تكون؟
عبست تانغ سو يول عند جوابي، لكنني كنت صادقا
لم أكن أعرف من تكون ييهوا
بل إنني أردت أن أعرف أكثر منها
إلى درجة الهوس
حمل نسيم الليل صوت احتكاك العشب
وكان القمر معلقا في السماء أقرب إلى الهلال
وكأنها إشارة إلى نهاية الخريف، بدأت رائحة الشتاء تتسرب إلى الريح
…
جلست شخصية فوق صخرة تحدق في السماء
الليلة كانت السماء صافية تماما بلا غيمة واحدة
وربما لأن هذا نادر، كانت المرأة تنظر إليها بنظرة بعيدة شاردة
ما الذي كانت تفكر فيه؟
ملامحها لم تمنح أي دليل، فكان من المستحيل التخمين
…هم
بعد أن ظلت تحدق في السماء بصمت لبعض الوقت، أطلقت المرأة همهمة منخفضة وحركت يدها
فتحت كفها ومسحت صدرها عدة مرات
…أمم…
رد فعلها أوحى أن هناك شيئا غير طبيعي
وتعابيرها كانت حائرة كأنها لا تستطيع فهم ما يحدث
عيناها الأرجوانيتان الجميلتان راحتا تتنقلان بسرعة وسط دوامة من التفكير
ما هذا؟
كان هناك شيء غريب اليوم
ما هذا…؟
كان من الصعب شرحه، وكلما فكرت فيه صار أصعب
أمالت رأسها يمينا ويسارا محاولة فهم هذا الإحساس غير المألوف
هم، هم، هم
مع كل حركة لرأسها أطلقت صوتا صغيرا
كان هذا التصرف طفوليا بشكل مفاجئ، على عكس مظهرها الناضج
وبعد فترة من الحركة القلقة توقفت المرأة أخيرا
لا أعرف، هم، لا أعرف
وصلت إلى نتيجة
أنا أشتاق إليهم
من الذي تشتاق إليه؟
حتى هي نفسها لم تكن تعرف
كلماتها خرجت بالغريزة من مكان عميق داخلها
هل أنا أشتاق إليهم؟
عدلت عبارتها مباشرة وحولتها إلى سؤال
هم
تمايلت ساقاها برفق في الهواء
ثم
يون آه، يون آه، إلى أين ذهبت مرة أخرى؟
جاء الصوت من بعيد، فتجمدت المرأة فورا
وفي تلك اللحظة انبعثت طاقة مظلمة من ظلها، وانتشرت لتغلف محيطها
يون…
انقطع الصوت فجأة
كان عزلا مقصودا، فقد اختارت الوحدة مؤقتا
وفوق ذلك
هذا ليس اسمي
لم تكن يون
هي تتسامح مع الاسم لأنه الاسم الذي تناديها به أختها، لكن مهما حاولت لم تستطع أن تعتاد عليه
غريزتها تخبرها بهذا
ذلك الاسم ليس لها
قيل لها، بل حذرت، ألا تقبله اسما لها
إذا كان الأمر كذلك
فما اسمي أنا؟
ما الذي يمكن أن يكون اسمها؟
وما الذي يجعلها ترفض يون؟
كان هذا أعمق سؤال صارعته في حياتها
إن كانت تكره أن تدعى بهذا الاسم، كان يمكنها ببساطة أن تقول إنه ليس اسمها
وكان يمكنها أن تقول لأختها إنها شخص آخر وأن اسمها مختلف
لا أعرف
كانت ترفض الاسم، ومع ذلك لا تملك أي فكرة عن اسمها الحقيقي
…لا أعرف
ما الاسم؟
ربما في الحقيقة لم تكن المشكلة في الاسم نفسه
…ما يهم
…هو من ينادي به
بالنسبة لها هذا أهم بكثير
شخص يعرف اسمها فعلا ويناديها به، هذا هو ما كانت تشتاق إليه
كانت تنتظر شخصا كهذا
هم…
شعرت بثقل في صدرها، فقبضت عليه بقوة
كان خانقا ومؤلما
لم تعد تريد التفكير في أي شيء
سسس
المساحة المغلقة التي صنعتها لإخفاء حضورها صغرت أكثر، بينما أغمضت المرأة عينيها
كانت تكره وحدة الليل
كل ما أرادته أن يعود الضوء وأن يطلع النهار
كما يحدث دائما