Switch Mode

الفصل 21 | لعبة الخلود

كان الغبار يملأ المكان، والدماء تمتد عبر ساحة النزال، فيما استقرّ أحد المقاتلين قرب جدارٍ تحطّم خلف جسده.

وبعد ما بدا وكأنه أبدي، بدأ الغبار يتلاشى تدريجيًا، ليظهر إيثان واقفًا في الحلبة، يلهث والدماء تلطّخ وجهه، وعيناه معلّقتان بالفتى الذي ارتطم بالجدار.

 

وعلى جانبه، وقفت فتاة بلونٍ رمادي، ملامحها واضحة وقوية رغم الفوضى. كانت واحدة من الأرواح القليلة التي يستطيع إيثان التحكم بها بإتقان… بل وكانت أفضل أرواحه على الاطلاق… 

 

استدار إيثان وهو يخطو مبتعدًا لينزل من الحلبة، لكن قبل أن يفعل، انطلق من جانبه سيف ارتطم بالجدار أمامه بثبات. 

 

اتسعت عيناه بدهشة، فاستدار بسرعة…

 ليجد كايل واقفًا هناك، يترنح بصعوبة، والدماء تنساب بخفوت من جبينه وأنفه. 

 

كانت نظراته ثابتة، وكأنه ما زال يحمل شيئًا لم يقل بعد رغم الضربة القوية… رفع كايل رأسه قليلًا، وقال بصوتٍ بالكاد يسمع:

 

“لم… ينتهِ الأمر بعد… يا إيثان.”

 

توهجت عينا إيثان، غضب مكبوت يشتعل خلف نظراته بينما خرجت كلماته همسًا حادًا:

 

“اقضِ عليه… نايرا.”

 

بمجرد صدور الأمر، انطلق الروح الرمادي نحو كايل بسرعة حادة، مطلقًا صرخة عالية مزعجة تكاد تربك السمع. عبس كايل، ورفع صوته هو الآخر قائلاً:

 

“كُفي عن الصراخ أيتها اللعينة!”

 

في لحظة واحدة، تقابل الاثنان في اشتباك سريع، الحركة تلحق بالأخرى، وكل منهما يحاول فرض قوته وسط توتر يكاد يشق الهواء.

 

“سأجعلك تندمين على الصراخ… أيتها المزعجة.”

 

قالها كايل بحدة، وهو يرفع قبضته، التي تجمعت حولها طاقة أثيرية من المانا، تتوهج كأنها تستعد للانطلاق نحو خصمه في لحظة واحدة. 

 

انفجر الصدام بينه وبين الروح التي أضاءت ساحة المعركة بهالتها الذهبية. 

 

… 

… 

 

أمسكت نايرا بكايل وضربته بالأرض بقوة، وانهالت عليه باللكمات المتتالية، بينما لم يكن قادرًا حتى على الرد.

 

وقف إيثان ينظر إليه بلا مبالاة، ثم رفع بصره نحو سيليا، التي صرخت بصوتٍ مبحوح:

 

“كاااايل!!!”

 

“ابتعد عن ولدي… أرجوك، ابتعد عنه!…دعوني أذهب إليه، سيموت هكذا!”

 

“دع تلك الحقيرة تبتعد عنه، من فضلك يا إيثان، اجعلها تتوقف… ستقتل ولدي!”

 

كانت تتوسل، ودموعها تنهمر بلا توقف 

 

لم يحرّك إيثان ساكنًا. ظلّ واقفًا في مكانه، ملامحه جامدة كالصخر، لا يظهر عليها أي تردد.

واصلت نايرا هجومها، قبضتها تهبط بقسوة، فيما جسد كايل يرتجف تحت الضربات، وأنفاسه تتقطع أكثر فأكثر.

 

“كفى… أرجوك… كفى!”

 

صرخت سيليا، تحاول التقدم، لكن الحراس أمسكوا بها قبل أن تخطو خطوة واحدة أخرى.

رفع كايل رأسه بصعوبة، عيناه نصف مغمضتين، ومع ذلك… ابتسم ابتسامة باهتة.

تمتم بصوت مكسور بالكاد يُسمع:

 

“لا… تبكي يا سيليا…”

 

توقفت قبضة نايرا في الهواء لجزءٍ من الثانية، وكأن الكلمات اخترقت صداها، لكن إيثان قطب حاجبيه وقال ببرود:

 

“تابعي.”

 

عادت الضربة لتسقط، أقسى من سابقتها.

 

ارتجت ساحة النزال بصوت الارتطام، وسقط جسد كايل ساكنًا، لا حركة فيه سوى صدرٍ بالكاد يرتفع.

 

ساد صمت ثقيل، كأن الهواء نفسه حبس أنفاسه.

 

حدق إيثان للحظة، ثم أدار ظهره دون أن ينطق بكلمة. 

 

غادر إيثان المكان بهدوء، وكأن ما حدث لا يعنيه…  على الجانب الاخر كان دراكنوس يبتسم ابتسامة مظلمة، عيناه تلمعان بشيء لا يمكن تفسيره، مزيج من المتعة والترقب.

… 

في المقابل، اندفعت سيليا مسرعة نحو كايل، جاثية الى جانبه.  امسكت برأسه بحذر، وضمته لحجرها، وراحت تمسح الدم عن وجهه بيد مرتجفة، وهي تقول بصوت حاولت جعله ثابتًا:

 

” لا تقلق، عزيزي… ستتعالج فورًا،  كل شيء سيكون بخير. “

 

رغم كلماتها، كانت عيناها تفضحان خوفها الشديد. 

 

رفعت رأسها فجأة، ونظرت الى لوسيان بنظرة حادة لا تحتمل الرفض، وقالت بصرامة: 

 

” تعال واحمله… سنغادر هذا المكان اللعين فورًا”

 

تقدم لوسيان بصمت، ملامحه مشدودة، وانحنى ليحمل كايل بحذر، وكأن جسده قد يتحطم بين ذراعيه. 

 

… 

… 

… 

 

 كانت الفئران تزحف بين أركان البيت المتهالك، تتقاسم الظلال مع رائحة العفن والبرد.

سكينٌ ملقى على الأرض، نصلُه معتم كأنه امتصّ شيئًا لا يُرى، وبالقرب منه سريرٌ مهترئ، بالكاد يصلح ليُسمّى سريرًا.

 

فوقه كان يرقد فتى ذو شعرٍ أبيض، جسده ساكن… إلى أن انتفض فجأة.

 

استيقظ وهو يلهث، والعرق يتصبب من جبينه، ووجهه شاحب كمن عاد لتوّه من كابوسٍ لم ينتهِ بعد.

 

“…ماذا حصل؟”

تمتم بصوتٍ متهدّج، وهو يرفع نظره حوله.

وما إن وقعت عيناه على السكين الملقى أرضًا، حتى اتسعتا رعبًا.

 

ذلك السكين…وهذه الغرفة المتهالكة. 

 

السكين نفسه الذي قُطع به عنقه في المرة الأولى.

 

“ماذا يحدث…؟ لماذا أنا في البداية؟”

 

ترددت الكلمات في رأسه، ثقيلة كالأصفاد. 

 

“هل كان كل ما رأيته مجرد كابوس؟

عائلة استورايت… أرض الجحيم… وسيليا…

هل كان كل ذلك حلمًا؟”

 

أمسك برأسه بقوة، وكأن الأفكار تحاول تمزيقه من الداخل…  نهض على عجل، مترنحًا، واتجه نحو المرآة المكسورة 

المعلقة على الجدار

 

حدق في انعكاسه. الوجه ذاته…  العينان القرمزيتان نفسيهما، تلمعان باضطراب، والشعر الفضي ينسدل بعشوائية فوق جبينه. 

 

” تبًا… ماذا يحدث؟ لا أفهم شيئًا…  مازلت كايل، لكنني عدت إلى البداية. “

 

عاد بنظره ببطء إلى السكين. توقف الزمن للحظة، تسللت فكرة مظلمة إلى عقله، وسط زحام الأفكار المتصارعة. 

 

اقترب منها، وانحنى ليلتقطها. كان نصلها بادرًا بين أصابعه، مألوفًا على نحو مرعب. سأل نفسه بصوت بالكاد يسمع 

 

“… هل افعلها مرةً أخرى؟”

 

نظر إليها طويلًا، مترددًا، كأن القرار أثقل من أن يُحسم.

وقف أمام المرآة يتأمل ملامحه؛ شعره الأبيض الطويل ينسدل بصمت، وعيناه القرمزيتان خاليتان من أي بريق… كأنهما شهدتا أمورًا لا تُفسَّر.

 

انزلق بصره نحو السكين.

فكرة واحدة كانت تدور في رأسه:

ربما لو فعلها… سيعود هذه المرة.

هو لا يعرف الحقيقة،

هو فقط يتشبث بالأمل.

… 

… 

رمى السكين بعيدًا، وكان الغضب الذي يكبته في أعماقه واضحًا رغم محاولته السيطرة عليه.

حدّق في انعكاسه داخل المرآة، ثم أخيرًا فقد أعصابه وضرب الزجاج بقبضته…

 

تحطّمت المرآة بصوت حاد، وتناثرت شظاياها أرضًا.

أسند ذراعيه على حافة المغسلة، وأنفاسه متقطعة، ويده ترتجف من شدّة التوتر.

 

“تبًا لهذا… أكره هذا العالم. أكرهه بشدّة. أكره كل شيء فيه.”

 

رفع رأسه ببطء ونظر إلى صورته المتكسّرة بين الشظايا.

أنزل رأسه من جديد، لا يدري ماذا يفعل…

كل ما يريده هو الراحة.

أن يعود… ويلعب العاب الفيديو بسلام.

لكن ماذا ينفع الندم الآن؟

همس بصوت خافت، وكأنه يقنع نفسه:

 

“عليّ أن أخرج… مهما كلّف الأمر.”

 

سوشش—

 

انفتحت أمامه نافذة النظام، بضوء أزرق بارد يخترق الظلام.

 

الاسم: كايل أستورايت

النوع: بشري

المستوى: 30 » 35

الرتبة: D

نقاط المانا: 20,079,000

الفئة: صيّاد

القدرات:

الخلود المؤقت، 

التعزيز، 

النجم الفضي. 

 

⚠ ملاحظة النظام:

[ترقية مؤكدة]

تحديث الخصائص: مكتمل.

مسار تطوّر إضافي: متاح للتفعيل.

 

“مسار تطوّر جديد…”

 

تمتم وهو يحدّق في المعلومات التي تكشّفت أمامه، وفضوله يتصاعد شيئًا فشيئًا.

فجأة، انبثق أمامه خيار إضافي.

 

⚠ رسالة النظام:

تم الكشف عن مسار تطوّر جديد.

هل ترغب في الانتقال لبدء المسار؟

[ نعم ]  [ لا ]

 

‘هممم… لا أظن أنّ النظام سيعطيني المسار مجانًا. عليّ أن أفعل شيئًا في المقابل… هذا واضح.’

 

فكر في نفسه وهو يراقب الخيارين على الشاشة، وابتسم ابتسامة غريبة، تحمل قليلًا من التحدّي.

 

“لا يهم… ماذا يريد!  كل ما يهم أن أخرج من هنا.”

 

رفع إصبعه بثقة، وضغط على الزر الذي اختاره،

والنظام يومض أمامه، كأنّه يستعد لرده.

 

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين

ظل الروايات

تسجيل الدخول إلى حسابك

أو تابع مع

Asura Scans

إنشاء حساب جديد

متطلبات كلمة المرور

  • ثمانية أحرف على الأقل
  • حرف كبير وحرف صغير
  • رقم واحد على الأقل
أو تابع مع