كان هناك وقت لم تكن فيه هالتها الهادئة الأنيقة واضحة بهذا الشكل
«هيه»
حينها كانت تُدعى سولبونغ، العنقاء الثلجية، بدل اسمها الحقيقي
زمن منسي، ذكرى بعيدة
في ذلك الوقت كنا نحاول تجنب بعضنا قدر الإمكان، وكانت لقاءاتنا مشحونة بتوتر حاد
وإذا التقينا صدفة، لم ينته الأمر أبدا بكلمات لطيفة، ومع ذلك كانت هناك فترة غريبة كانت تأتي فيها لتبحث عني كثيرا
حين رأيت سولبونغ تقترب، قطبت جبيني بقوة، فقلدت تعابيري لكنها تكلمت بغلظة
«كُل»
«لست جائعا»
ظهرت فجأة وأمرتني أن آكل، كان هذا سخيفا، لكنه لم يكن مفاجئا تماما
المرات الوحيدة التي كانت سولبونغ تبحث عني فيها كانت إما للحديث عن الطعام أو لإلقاء الإهانات
«كُل، الجميع بدأوا يأكلون بالفعل»
«أتسمي هذا طعاما؟»
لم يكن غذاء حقيقيا
كنا بالكاد نبقى أحياء، نطهو لحم الوحوش بقدر يكفي فقط لنسد الجوع، وخصوصا في تلك الأيام كان الطعام نادرا لدرجة أن معظم الناس تحملوا الجوع القاتل
حين سمعت ردي، رمقتني بنظرة احتقار وردت بحدة
«أحقا ستتدلل على الطعام هنا؟ كُل ما يُعطى لك»
«قلت إنني لن آكل، هل أذناك مسدودتان؟ لماذا تُجبرينني أن أعيد الكلام؟»
«وماذا إذن؟ هل تنوي أن تموت جوعا؟»
«العيش هكذا، الموت جوعا قد لا يكون سيئا—»
صفعة!
«أوغ!»
اندفع الألم في جسدي وأنا أندفع برأسي إلى الأمام
كانت قد صفعت مؤخرة رأسي بقوة
للحظة ظننت أنني قد أفقد الوعي
«أيتها المرأة المجنونة…!»
التفت إليها وأنا أغلي غضبا، لكنها قطعت عليّ الكلام
«لا تتفوه بهذه التفاهات بينما الجميع يقاتلون بكل ما لديهم كي يبقوا أحياء»
كانت عيناها تشتعلان بشدة جعلتني أتردد
«أعرف أنك أحمق، وأعرف أنك شخص قد يسقط ميتا في أي يوم ولن يكون ذلك مفاجئا»
«إذن توقفي عن إزعاجي واتركيني وشأني، لماذا يهمك الأمر؟ أنت تكرهينني»
«نعم، أكرهك، أكره أمثالك ممن لا يقدّرون حياتهم»
«إذن لماذا—»
«لأنني لا أحتمل أيضا أن أراك تموت هكذا»
«ماذا…؟»
كانت تكرهني لكنها لا تستطيع تركي أموت؟ أي منطق معوج هذا؟
قبل أن أفرغ غضبي، واصلت كلامها
«فم إضافي واحد لن يغير شيئا، لذا توقف عن التفكير الزائد وكُل فقط»
تركتني كلماتها عاجزا عن الرد
«ألا تفهم؟ الجميع يعرف لماذا تفعل هذا، لذا توقف عن الغباء وكُل، أنت ضعيف لدرجة أنك لا تستطيع الحراسة ولا إيقاف الوحوش إن هاجمت أصلا»
«تتكلمين بلا معنى، أنا هنا لأنني لا أريد رؤية وجوهكم، ليس لأنني أهتم»
حاولت الجدال، لكنها لم تصدقني بوضوح
«لا أعرف لماذا تتصرف هكذا ولا يهمني، ولهذا لن أشكرك»
«لماذا تقولين هذا لي أصلا؟ أنا هنا لأنني لا أهتم إن مت، فقط اتركيني!»
صرخت أخيرا، وعندها فقط استدارت ورحلت دون كلمة إضافية
عندما أفكر الآن، أظن أنني فهمت لماذا كانت سولبونغ مهووسة بالحفاظ على الحياة
لا بد أن ذلك كان بسبب مرضها هي
من بين الجميع هناك، كانت هي التي كافحت أكثر من غيرها كي تعيش، وبالنسبة لها كنت لا يطاق، رجل لا رغبة لديه في الحياة، لا يبالي إن عاش يوما آخر أو لا
حتى الآن وأنا أفكر بالأمر، لا أستطيع لومها، كنت أحمقا مستفزا وقتها
بل إنني لو قابلت نفسي الأصغر سنا، فغالبا سأرغب في ضربه حتى الموت
لا، أنا متأكد أنني سأفعل
لهذا الحد كنت غبيا
ومع ذلك، رغم معرفتي بهذا، ما زال هناك شيء لا أفهمه
بعد ذلك الشجار بوقت غير طويل، جاءت إليّ مجددا
«قلت لك اتركيني، لماذا عدت؟»
عبست لها وأنا ألاحظ أن يديها ممتلئتان بمؤن
«كُل»
كان لحم وحوش، كومة طعام جمعتها بشق الأنفس
«واو، أنت مجنونة فعلا، أليس كذلك؟»
«نعم أنا كذلك، والآن كُل»
كنت على وشك الانفجار، لماذا تحمل كل هذا إليّ؟
لم أكن جالسا هنا لأنني أستمتع بهذا
وكان الطعام كثيرا جدا، لا يمكن أن يكون لدى الآخرين ما يكفي إذا كانت تعطيني هذا القدر
«ماذا تتوقعين مني أن أفعل بهذا؟»
«إذا لم تأكل سأجلب المزيد، وإذا لم تأكل أيضا فسأرميه كله على الأرض حتى لا يحصل عليه أحد»
«ماذا…؟»
كانت تعني ذلك، كانت عيناها مليئتين بالإصرار
لماذا؟
لماذا تبذل كل هذا من أجلي؟ حدقت فيها وأنا مشوش تماما
«كُل فقط»، كررتها
«وعش، إن لم يكن هناك خيار آخر فحسنا، لكن إن كنت تستطيع أن تعيش، فعش»
«أنت…»
كان تعلقها بالحياة شبه مرضي
بدت صلبة من الخارج، لكن شيئا ما في داخلها كان مكسورا بوضوح
لماذا كانت مهووسة هكذا؟
في ذلك الوقت لم أكن أملك القدرة على الفهم، كنت صغيرا وأحمق
لكنني أدركت شيئا واحدا
سولبونغ كانت معوجة مثلي تماما
وفي ذلك شعرت بقليل من القرب الغريب
ربما لهذا السبب—
«تس»
لهذا أخذت الطعام الذي قدمته على مضض
ولهذا أيضا، بعد سنوات، حين طلبت مني أن أضحي بنفسي من أجلها، وافقت دون مقاومة كبيرة
كل ذلك كان بسبب هذه الذكرى
«لماذا تنظر إليّ هكذا؟»
أمالت مو يونغ هي-آه رأسها، مستغربة من نظرتي
صحيح، هي لم تعد سولبونغ، إنها مو يونغ هي-آه
«لا شيء، تذكرت شيئا من الماضي»
«الماضي؟ متى؟ عندما التقينا لأول مرة؟»
«شيء من هذا القبيل»
«الآن بعد أن ذكرت ذلك، مرت سنوات، أليس كذلك؟ كنت أجمل بكثير وقتها»
كان في كلماتها شيء من الندم، ولم أستطع منع نفسي من الضحك
يا له من كلام سخيف
«لماذا تضحك؟ هل كنت حقا أجمل بكثير وقتها؟»
«من يدري»، قلت بابتسامة جانبية، ثم توقفت لحظة قبل أن أضيف
«لم أنتبه وقتها، لكن الآن أنت جميلة»
«…ماذا؟»
كان هناك وقت لم أستطع فيه أن ألتفت إلى وجه مو يونغ هي-آه أصلا، ناهيك عن محاولة قراءة تعبيراتها
كان كل شيء مختلفا حينها
لم تعودي تحدقين بي كما كنت تفعلين
حسنا، أحيانا ما زلت تفعلين، لكن ما خلف عينيك لم يعد قاسيا كما كان، هذه الأيام حتى إنني أحاول أن أنظر إلى وجهك عن قصد
وبصراحة أنت جميلة جدا
«ما… ما الذي تقولينه فجأة؟»
احمر وجه مو يونغ هي-آه بشدة بسبب كلامي، ومع بشرتها الشاحبة كان من المستحيل ألا يلاحظ ذلك
«ربما كان هناك شيء غير طبيعي في الأسياخ… لا، هذا لا يبدو منطقيا… ما أغرب هذا…»
«أي هراء تتفوهين به الآن؟»
«سيدي الشاب، هل تشعر بتعب؟ الطبيب العظيم لم يذكر أي شيء مقلق…»
«تعب؟ من قال إنني متعب، انتظري لحظة»
شيء في كلامها لفت انتباهي
«لماذا تذكرين الطبيب العظيم؟»
«آه»
فضح وجهها لحظة هلع حين أدركت أنها زلت بلسانها
«لا تقولي لي… هل كنت تسألين الطبيب العظيم عن صحتي؟»
«لا، بالطبع لا!»
«…»
حدقت فيها بريبة
لم يكن الطبيب العظيم من النوع الذي يتحدث عن حالة مريض بلا مبالاة مع أي أحد
قررت أن أتجاهل الأمر
«أنا أشعر بحر شديد، ألا تشعر بحر يا سيدي الشاب؟ لنذهب لنأكل شيئا باردا ومنعشا»
بدلت الموضوع بسرعة، ومشت أمامي كأنها تريد الهرب من الحديث
راقبت ظهرها وهي تبتعد ولم أستطع منع نفسي من الضحك
«لا يصدق»
بالنسبة لشخص نادرا ما يخطئ، كانت مو يونغ هي-آه ترتبك بشكل مفاجئ حين يحدث ذلك
كان هذا… لطيفا قليلا
«…هم؟»
تجمدت في منتصف الفكرة
لطيفا؟ هل فكرت للتو أن مو يونغ هي-آه لطيفة؟
«لا بد أنني مرهق»
هززت رأسي، مقتنعا أن عقلي يعبث بي
لكن وأنا أتبعها، لم أستطع مقاومة أن أناديها
«تمهلي، علينا أن نذهب معا»
رغم ندائي، لم تُبطئ مو يونغ هي-آه، وكانت أذناها، اللتان احمرتا مثل وجهها، ترفضان أن تهدأا
زرنا بضعة نزل أخرى بعد ذلك
ولحسن الحظ، على عكس النزل الأول، لم نجد شيئا مريبا في البقية
بحلول الوقت الذي انتهينا فيه، كان العصر قد حلّ تماما
«هذا ينهي عملنا مع بيوت التجارة»، أعلنت مو يونغ هي-آه وهي تحمل كومة سميكة من الرسائل
حين سمعت ذلك، عبست
«عمل بيوت التجارة؟ هل يعني هذا أن هناك عملا آخر؟»
ابتسمت، ابتسامة جعلتني أتوجس فورا
«لا تقلق، ما تبقى لن يستغرق وقتا طويلا»
إذن لا يزال هناك عمل
«هل تعملين بهذا القدر دائما؟»
«ليس عادة، لكن اليوم هو يوم الحسابات الذي يأتي مرتين في الشهر، وتفتيش مفاجئ كهذا يجعل تنظيف المكان أسهل»
«تنظيف المكان… تقصدين استبدال الناس»
«بالضبط»
تنهدت
«لماذا تم سحبي إلى هذا في يوم كهذا؟»
«لم يكن الأمر صدفة، أحضرتك معي عمدا»
«ماذا؟»
«من الأسهل أن أبقيك قريبا بعذر قوي، أليس كذلك؟»
نبرتها العابثة مع تلك الابتسامة الماكرة المعتادة جعلتني أئن من الداخل
حتى وهي تشرح، لم تترك ذراعي، كانت تتشبث به ونحن نسير على طريق داخل الغابة
على عكس وقت سابق، كنا الآن بعيدين عن ضجيج البلدة
«إلى أين نذهب الآن؟»
هذا لا يبدو مكانا يمكن أن تجد فيه بيت تجارة آخر
كان حر الصيف خانقا، والهواء ثقيلا رطبا، والبعوض والحشرات تطن في كل مكان
ومعرفتي بمدى كراهية مو يونغ هي-آه للحشرات جعلتني أستخدم هالتي لإبعادها عنها
«قائدتنا تعمل على مشروع جديد قريب»، شرحت
«مشروع؟»
«نعم، اشترت بعض الأرض في هذه الغابة لبناء منشأة»
كنت أتذكر أنني سمعت عن هذا بشكلٍ غامض من قبل
أوه صحيح، بومدونغ ذكر شيئا كهذا، كان بسبب هبوط دول-دول هناك
ومع عبور هذه الفكرة في ذهني، أدركت شيئا
«انتظري… هذا هو المكان الذي—»
«نعم، إنها الأرض التي وصلت إليها لأول مرة يا سيدي الشاب»
المكان نفسه الذي هبط فيه دول-دول
«ولضمان السيطرة على المنطقة، كنا أيضا نشدد قبضتنا على بيوت تجارتنا ونزلنا»
«وماذا تبنون هنا؟»
«مكتب مرافقة مسلحة»
«…ماذا؟»
أملت رأسي في حيرة
«شركة بايخْوا التجارية ستنشئ مكتبا للمرافقة المسلحة؟»
«نعم»
إجابتها لم تكن منطقية
لم يكن غريبا أن تؤسس شركة تجارية مكتب مرافقة مسلحة، خاصة في أوقات كهذه حيث تنتشر الوحوش، كثير من الشركات بدأت تؤسس مرافقتها الخاصة كي لا تعتمد على المرتزقة
لكن شركة بايخْوا التجارية لديها واحد بالفعل
«أليس مكتب مرافقة بايخْوا لا يزال يعمل؟»
«نعم، لا يزال يعمل»
«إذن لماذا تبنون واحدا آخر، ولماذا هنا تحديدا؟ في هانان؟»
هانان، موطن تحالف الفنون القتالية وشاولين، كان آخر مكان يتوقع أحد أن يؤسس فيه مكتب مرافقة مسلحة
«هل وافق التحالف على هذا؟»
«لكي تعملوا هنا تحتاجون إلى إذن رسمي من التحالف، ولم أسمع أنهم منحوا ذلك لأي أحد»
«لم تتم الموافقة بعد… لكن قائدتنا لديها خطة»
إذا قالت والدة مو يونغ هي-آه إن هناك خطة، فغالبا هناك خطة فعلًا
«إذن ستبنون أولا ثم تطلبون الموافقة لاحقا؟»
«بالضبط، بدأ البناء اليوم، ونحن ذاهبون لنلقي نظرة»
لم يمض وقت طويل حتى وصل إلى أذني صوت البناء
دوم! دوم!
«انتبهوا لذلك الخشب!»
«تشانغ! الإطار لا يركب بشكل صحيح!»
يبدو أن نجارين مهرة يعملون بكل طاقتهم
هممت أن أتجه نحو الصوت، لكن مو يونغ هي-آه سحبت ذراعي
«ليس من هنا يا سيدي الشاب»
«هاه؟»
بدأت تقودني في اتجاه آخر
«إلى أين نذهب؟ البناء هناك»
«لسنا بحاجة لرؤية المبنى الآن، ما تحتاج أن تراه ليس الهيكل بل الناس»
«الناس؟»
تركتني عبارتها الغامضة في حيرة
بعد قليل وصلنا إلى فسحة مفتوحة
لم تكن طبيعية، كان واضحا أنها جُهزت مسبقا
كان الهواء ثقيلا بطاقة محسوسة
«ما هذا؟»
الناس المجتمعون في الفسحة كانوا مصدر هذا الجو الضاغط
كانوا بالعشرات، وحضورهم وحده مرهق للأعصاب
«كلهم على الأقل من مستوى الدرجة الأولى»
كان كل واحد منهم يُظهر مستوى قتال لافتا
«ما قصة هؤلاء؟» سألت
«إنهم مرشحون لمكتب المرافقة المسلحة»
«…ماذا؟»
أومأت
«كلهم مرافقون محتملون»
«لكن… مستواهم أعلى من اللازم»
مقاتلو الدرجة الأولى عادة يكونون قادة فرق، لا مجرد مرشحين
«هذه أوقات غير عادية، وقائدتنا لديها خطط غير عادية لهذا المكتب»، قالت مو يونغ هي-آه بابتسامة تعرف الكثير
«وماذا تريدين مني أن أفعل بالضبط؟»
«اختر 7 منهم، ستساعد في اختيار الأكفأ»
«…»
إذن أنا سأكون حكما؟
أطلقت ضحكة جافة وأنا أتفحص الوجوه المتجمعة
كان كل واحد منهم يبدو منزعجا
وهذا مفهوم، جمعهم تحت شمس حارقة للتقييم لن يرضي أحدا، خصوصا مقاتلين بهذا المستوى
نظرت بينهم، أقيّم مهاراتهم
«15 من الدرجة الأولى، 9 في القمة، وحتى واحد في مستوى معلم ناضج بالكامل»
كيف جمعوا هذا العدد من المقاتلين الأقوياء لمكتب مرافقة مسلحة؟
وأثناء تفحصي للمجموعة، توقفت عيناي على شخص في الخلف
«…ماذا؟»
بين الوجوه المنزعجة، كان هناك وجه واحد مختلف
كان بلا تعبير، ومع ذلك شيء فيه جعلني أتجمد مكاني
«لماذا…؟»
لم تكن الملامح مألوفة فقط، بل كانت لشخص لا ينبغي أن يكون هنا أصلا
التقت أعيننا
وكان قد لاحظني بالفعل، فلوّح بيده بخفة كأنه يحييني
كان تصرفا وديا ظاهريا، لكنني لم أستطع الرد
لأنني لم أفهم السبب
«لماذا هو هنا؟»
لماذا كان الشيطان السماوي واقفا بينهم؟