الريشة القرمزية
شخصية أصبحت مشهورة جدا في بحر الشمال، خصوصا داخل قصر الجليد
«لا يوجد أحد في السهول الوسطى لا يعرف ذلك الرجل»
وبهيئة مسترخية تحدث “رفيق” يوري بوضوح وهو مستمتع وهو يشرح من يكون هذا الشخص
مرت سنوات منذ آخر مرة التقيا فيها، لكنه بقي بنفس الصفاء وحدة الذهن
«على أي حال، إنه رجل استثنائي، أتعلمين؟»
ربما هدأه الزمن
الرجل الذي كان متمحورا حول نفسه صار منشغلا بالتفاخر بصديق جديد تعرف إليه
«ذلك الرجل سيصير عظيما بلا شك، لهذا لا يوجد أحد في السهول الوسطى لا يعرفه»
«الريشة القرمزية؟»
«نعم، القرمزية…»
قاطع كلماته نفس غريب، لكن يوري اختارت ألا تعيره اهتماما
فهذا الرجل كان غريب الأطوار دائما في النهاية
ومع ذلك، إن كان شخص غريب مثله يواصل مدح أحدهم بهذا الشكل، فلم تستطع يوري إلا أن تشعر بالفضول
ولهذا سألت
«الثعلبة البيضاء»
عند ندائها، أدارت “مرافقتها” رأسها
امرأة طويلة نحيلة بقوام بارز الملامح
وهذه المرأة المعروفة باسم الثعلبة البيضاء كانت ترتدي دائما قناع ثعلب أبيض، فتخفي وجهها عن الأنظار
كان رفيقها قد ذكر مرة أن الثعلبة البيضاء تعرضت لحروق شديدة وهي صغيرة، وخلّفت ندوبا مشوهة جعلتها تختار إخفاءها
وبعد أن سمعت ذلك، لم تفكر يوري أبدا أن تطلب منها نزع القناع
«هل تعرفين الريشة القرمزية أيضا؟»
…
هزت الثعلبة البيضاء رأسها بصمت
كانت قليلة الكلام
يوري نفسها ليست كثيرة الكلام، لكن حتى هي لم تستطع مجاراة صمت الثعلبة البيضاء
الغريب أن يوري وجدت ذلك مريحا
الثعلبة البيضاء لا تتحدث بلا داع، ولا تُظهر أي علامة ضيق أو توتر
وفوق ذلك، كانت مقاتلة قوية جدا من السهول الوسطى
يوري كانت تحب الثعلبة البيضاء
تحبها لدرجة أن فكرة عودتها يوما إلى وطنها كانت تزعجها
«…إن كنت تعرفينه أنت أيضا، فلا بد أنه شخصية مشهورة فعلا»
«حتى لو لم تكن الريشة القرمزية مشهورة، فهي ستعرفه جيدا»
«همم؟»
أمالت يوري رأسها عند تعليق رفيقها المبهم
«ماذا تقصد بهذا؟»
«ذلك لأنهما الاثنان…»
رنين
بالكاد بدأ رفيقها الكلام حتى جاء صوت من خصر الثعلبة البيضاء
في لحظة ما كانت قد قبضت على مقبض سيفها
وعند رؤيته تجمد رفيقها للحظة
«إنهما… مقربان»
«آه»
لم تلتقط يوري توتر الغرفة
«مقربان، تقول»
هل كانت الثعلبة البيضاء أيضا شخصية مشهورة في السهول الوسطى؟
كان ذلك ممكنا
هي بالفعل استثنائية بما يكفي لتكون معروفة
وأومأت يوري وكأنها اقتنعت، ثم عادت بنظرها إلى رفيقها
«وأنت أيضا مشهور؟»
«أنا… حسنا…»
تردد رفيقها قبل أن يجيب «…قليلا؟»
«همم، فهمت»
إن قال ذلك فلابد أنه صحيح
على الأقل، يوري كانت تؤمن أن هذا الصديق لا يكذب عليها
ولهذا ازداد فضولها فقط
هل الريشة القرمزية مذهل فعلا كما يقولون؟
إلى أي حد يمكن أن يكون استثنائيا؟
«أي نوع من الناس هو؟»
وجهت يوري سؤالها إلى الثعلبة البيضاء، معتقدة أنه ما داما مقربين فربما تعرف عنه شيئا
وبعد صمت قصير، أجابت الثعلبة البيضاء
«جرو»
«…همم؟»
الجواب غير المتوقع أربك يوري
«جرو لطيف»
نبرة الثعلبة البيضاء كانت حازمة على نحو غريب
وهذا بعيد تماما عن الصورة التي رسمها رفيق يوري عنه، صورة حضور مرح وآمر
هل تقصد أنه رغم قوته طيب وبريء؟
وبينما كانت يوري تحاول تفسير المعنى، قوطعت
«ففف… بوهاهاها…!»
أدار رفيقها وجهه بعيدا، واهتزت كتفاه وهو يكافح ليكتم ضحكه
كان واضحا أنه على وشك الانفجار
ويوري، المعتادة منذ زمن على غرابة أطواره، قررت تجاهله
«جرو إذن…»
«لطيف»
بقيت كلمات الثعلبة البيضاء عالقة في ذهنها
رجل يستطيع استخدام النار بمهارة خارقة
شخص لا يستطيع المرور على الضعيف أو المصاب دون مساعدة
بطل يسعى لإنقاذ العالم
عبقري يخلده التاريخ، ومع ذلك يملك سحرا محببا كجرو صغير
«مثير للاهتمام»
ابتسمت يوري عند الفكرة
حكايات السهول الوسطى كانت دائما تسحرها
لكنها لم تتوقع ما سيأتي بعد ذلك
بعد أيام قليلة فقط، اجتاحت رياح الدم بحر الشمال
ووجدت نفسها تتجه إلى السهول الوسطى بحثا عن “الجرو اللطيف”
كانت يوري جالسة بهدوء عند طاولة، وتمتمت لنفسها
«…قالوا إنه جرو لطيف»
كانت نبرتها ممتلئة بالظلم
وكيف لا تشعر بالظلم؟
«ليس جروّا أبدا، بل أقرب إلى أفعى سامة لم أر مثلها قط»
أي جزء منه يمكن أن يشبه جروّا؟
في أفضل الأحوال هو وحش ضار، وفي أسوأها روح شريرة
لم تقابل يوري في حياتها شخصا عنيفا إلى هذا الحد
نبرته، نظرته، كل ما فيه كان يشع إحساسا بسلطة لا تلين، كأنه قد يقلب العالم في أي لحظة
طاغية
أو ربما مجنون
لأول مرة في حياتها خطرت لها مثل هذه الكلمات
لو قابلته في بحر الشمال لحرصت على التعامل معه فورًا
«لكن من بين كل الناس…»
ومع ذلك، وكأن القدر يسخر منها، كانت يوري تحتاجه الآن
دقّة
ضربت يدها الرقيقة الطاولة
«أميرتي» قال أوبوم، وهو واقف أمامها بحذر
«أنا آسف…»
كانت أول كلماته اعتذارا
رفعت يوري نظرها إليه
«لم أحسن التعامل مع الموقف»
بعكس الفوضى التي تسبب بها قبل قليل، كانت هيئة أوبوم الآن جادة ومتزنة
وعند رؤية ذلك، أجابت يوري «لا تعتذر، كل الخطأ خطئي»
«كيف يكون ذلك…»
«أنا أخطأت في تقدير الوضع»
كل شيء انقلب
حتى الحيل التي رتبتها بعناية كي تبدو حمقاء فشلت كلها فشلا ذريعا
«حتى المواقف التي تعبت كثيرا في صنعها، أنا أفسدتها كلها»
هروبهم من قافلة التجار، والظروف التي تشكلت بفعل الأداة وتضحيات أوبوم، كل ذلك ذهب هباء
أوبوم تعمد أن يتصرف بتكبر وثقة زائدة ليجذب الانتباه بعيدا عن رفيقهم المصاب، أوسيوك
كل هذا كان لإمالة التفاوض لصالحهم
لكن يوري نسفت كل شيء
لم تتوقع أن الريشة القرمزية لن يكون أذكى بكثير مما ظنت فحسب، بل أيضا لا يلين
لقد لاحظ كل خطأ واحد ارتكبته
وهذا يعني شيئا واحدا فقط
«قد يكون متكبرا، لكنه ليس عاجزا أبدا»
كان واعيا تماما لقوته وموهبته، ويحافظ على مظهر متعال، لكن لديه ما يسند هذا التعالي
مزعج
بالنسبة إلى يوري، كان نوعا مختلفا تماما من المتاعب
«مولود ليكون حاكما»
أمثال هؤلاء، كانوا دائما على الشاكلة نفسها
من كُتب لهم أن يكونوا فوق الآخرين
من خُلقوا ليقودوا ويأمروا، ليكونوا رأس التنين
هذا النوع هو ما كانت يوري تخشاه أكثر من أي شيء
تماما مثل…
«…حاكم القصر»
الرجل الذي قابلته، الريشة القرمزية، كان يشبه والدها
طريقة نظره إليها من الأعلى
الهالة التي يطلقها
ثقته بأن لا شيء يمكن أن يقف في طريقه
لم تستطع يوري نسيان الانطباع الذي تركه فيها
«أميرتي»
قبل ذهابها إلى السهول الوسطى، ترددت كلمات والدها في ذهنها
«تجنبي أي تورط مع تحالف الموريم»
ثم قال شيئا آخر
«إن وجدت نفسك يوما في السهول الوسطى وقابلت شخصا يطلق النار من الغرب…»
«ابتعدي عنه قدر ما تستطيعين، مهما كان السبب»
كان ينبغي أن تقلقها تلك الكلمات
هو كان دائما يقول «مهما كان السبب، قاتلي»
لكن ها هو الآن يأمرها بالهرب
«بحلول الآن، سيكون في منتصف العمر، رجل يستخدم النار، تذكري ذلك»
نبرته، التي كانت أكثر كآبة حتى من حديثه عن تحالف الموريم، تركت أثرا في يوري
فلم تستطع إلا أن تسأله
«من هو حتى تقول هذا؟»
حين يتحدث حاكم بحر الشمال بهذه الجدية، فضول يوري اشتعل
قال حاكم قصر الجليد بنبرة قاطعة «إنه الحاكم الأعلى للسهول الوسطى»
كانت كلماته حاسمة لا تقبل جدالا
ربما لهذا لم تستطع طرد الذكرى من رأسها
يقال إن الريشة القرمزية يستخدم النار
الغرب
من أين جاء بالضبط؟
لمحَة من هذه الأفكار عبرت ذهنها
«إن كان في منتصف العمر، فلا يمكن أن يكون هو»
التوقيت لا ينسجم
والدها كان قد سافر إلى السهول الوسطى مع جدها قبل زمن طويل من أن يولد هذا “الريشة القرمزية” المزعوم
الرجل الذي حذرها منه والدها لا يمكن أن يكون شابا بهذا العمر
«ليس هذا وقت التفكير بهذه الأمور»
فركت يوري وجهها، والإنهاك واضح في كل حركة منها
هي محقة، هذا ليس وقت التخمين الفارغ
«هاه…»
بعد أن تحطمت كل خططها، شعرت يوري أنها عالقة داخل شبكة أخطاء متتالية
وفي تلك اللحظة، كسر الريشة القرمزية الصمت
«يبدو أن الأمور تغيرت قليلا، هل نكمل هذا الحديث غدا؟»
كان في صوته شيء من التسلية، لكن يوري كانت تعرف، لم تكن مجرد تسلية
كانت سخرية
هو يعرف مسبقا
«إن كنت تبحثين عن “تفاوض”، فيبدو أنك ستحتاجين لتحضير الكثير مما ستقولينه»
الوضع تبدل تماما
ما بدأ كطلب مباشر صار الآن رجاء يائسا
الميزان انقلب
من عميل ومتعاقد، أصبحا سيدًا وملتمسا
ولا شك في من الطرف الأعلى
الريشة القرمزية بات يمسك بكل الأوراق
«هاه»
هذا سيئ
هذا التحول جعل كل شيء أصعب بلا حدود
والأسوأ أنه يبدو أنه أدرك بالفعل حالة بحر الشمال
«…كيف استنتج ذلك من لقاء قصير؟»
لكن الواضح أنه لم يعد هناك مجال للإخفاء
بحر الشمال في فوضى
خيانة وتمرد رميا به في اضطراب
رياحه الباردة صارت تحمل رائحة الدم
«وكل هذا بسبب…»
والدها، حاكم قصر الجليد، الذي كان حاسما لا يلين، أصبح يواجه علة جسدية لا يمكن توقعها
ورغم أنهم حاولوا إخفاء الأمر والحفاظ على موقعهم، فإن الوقت ينفد
ولإعادة التوازن، كانت يوري تحتاج قدرة الريشة القرمزية المزعومة على كسر اللعنة
إن كانت كذبة، فكل الأمل سينتهي
لكن لأنه لا يمكن أن يكون كذبة، صار الأمر مشكلة
ومع تعقّد الأفكار أكثر، شعرت يوري بتعب يتسلل إليها ببطء
«…سأضطر للتفكير في هذا جيدا»
في تبادلهما القصير، اتضح شيء واحد تماما ليوري
الريشة القرمزية ليس رجلا تحركه المروءة أو التعاون
حديث رفيقها عن كونه بطلا؟
بعيد جدا عن الحقيقة
كان باردا، حاسبا، منطقيا
رجل لا يتحرك إلا إن كان هناك نفع واضح له
وفي المقابل…
«إن تم استفزازه، سيكون أقسى من أي أحد»
بعيدا عن أقواله وأفعاله، كان ذلك واضحا من نظرته وحدها
لم يكن شخصا طيبا
«ليس شخصا سيتحرك بدافع الشفقة أو الظروف»
إن أرادت إقناعه، فستحتاج إلى منطق وشروط تناسب عقله
من دون ذلك، لا جدوى
حولت يوري نظرها إلى النافذة
كان النهار قد انقضى منذ زمن، وحل الليل العميق مكان الشمس
كان قد اقترح أن يكملا النقاش غدا عند الظهر
وهذا يترك لها وقتا ضئيلا جدا لتصنع خطة
في الوقت الحالي، قررت أن تتقبل موقعها
أن تفهم مكانها بوضوح وتغيّر أسلوبها
حينها فقط تستطيع اتخاذ قرار صحيح
«الليل قصير»
قبل أن يأتي الظهر، عليها أن تجد الحل
بطريقة ما، خلال هذا الليل القصير، يجب أن تبتكر طريقا
طريقا يضمن تعاون الريشة القرمزية
وبينما كانت يوري تعصر ذهنها في غرفتها، كان غو يانغ تشيون قد عاد للتو إلى مكان إقامته
في الأصل كان يخطط لتناول العشاء مع السيدة مي، ثم يتمشى مع تانغ سو يول ومو يونغ هي آه، ويستكشف المنطقة بهدوء
لكن تلك الخطط أُلغيت
وبدل ذلك عاد غو يانغ تشيون إلى غرفته، غارقا في التفكير
«همم…»
ظهر على وجهه تعبير جاد نادر، وضاقت عيناه الحادتان أكثر، فصار يبدو أشد رهبة
في يده ورقة غريبة، هي السبب الحقيقي لتبدل خططه
فبينما أنهى حديثه مع أميرة الشمال واستعد للمغادرة، حدث شيء غير متوقع
«…انتظر»
أوقفته يوري في مكانه
تفاجأ غو يانغ تشيون واستدار نحوها
مدت يدها داخل رداءها وأخرجت رسالة وقدمتها له
«ما هذا؟»
التوى وجهه حيرة وهو ينظر إلى ما في يدها
قالت يوري «رسالة من صديقك»
اتسعت عينا غو يانغ تشيون عند كلماتها
صديق؟
ومن في بحر الشمال سيرسل له رسالة؟
مرت في ذهنه وجوه مألوفة، وبدأ شعور سيئ ينبت داخله
وجود مثل هذه الرسالة مع أميرة الشمال، خصوصا وسط الاضطراب الأخير في بحر الشمال، زاد قلقه
أخذ الرسالة منها وفتحها في مكانه
«…!»
حين قرأ الكلمات، تقطبت حاجباه بقوة
إنها من نوع الرسائل الذي يجعله يلغي كل شيء ويعود إلى غرفته فورا
داخل الغرفة شبه المظلمة، جلس غو يانغ تشيون في صمت، ولم يكن هناك سوى بريق عينيه الزرقاوين الثاقبتين
بدت الرسالة في يده كأنها تختفي وسط الظلام، لكن ذلك لم يهمه
حتى لو كان المكان ظلاما كاملا، كان يستطيع قراءتها بوضوح تام
ولهذا قرأها، مرة بعد مرة
[أنا آسفة، تأخرت]
[لكن لا تقلق]
هذا كل شيء
سطران فقط على ورقة بسيطة
لأول نظرة، قد تبدو رسالة عادية لا قيمة لها
لكن…
شدّة البرودة التي أطبقت على قلب غو يانغ تشيون قالت غير ذلك
شخص واحد فقط يمكنه إرسال رسالة كهذه
شخص صار أغلى عليه من حياته نفسها
تلك المرأة العنيدة التي تجاهلت طلبه بأن تبقى، وغادرت وحدها
كانت رسالتها
بالنسبة لمعظم الناس، هذه الكلمات القليلة لن تعني شيئا
لكن بالنسبة إلى غو يانغ تشيون كان هناك خلل صارخ واحد
[لا تقلق]
هذه العبارة هي المشكلة
لماذا؟
لأنها ليست شيئا يمكن أن تقوله هي أبدا
كانت الكلمات بعيدة تماما عن طبعها، وغير موثوقة كما لو أنه هو من قالها
في وقت مبكر من هذا العام
في الربيع، أو في الصيف على أبعد تقدير، كانت قد وعدت بالعودة
والآن، فجأة، تأخرت؟
تسربت أفكاره إلى اضطراب بحر الشمال
هل علقت في تلك الفوضى؟
طَقّة
دوّى صوت قبضته وهو يشد يده بقوة
كانت شكا خطيرا يقلقه حتى العظام