مثل غيرها من شركات التجارة البارزة، أنشأت شركة بايكهوا التجارية فروعًا في أنحاء تشونغيوان
وبالطبع، قيل إن لا فروع لها في المناطق التي تسيطر عليها عشيرة مو يونغ، التي تتحكم بأراضٍ مهمة، أو في المناطق التي لم تمنحها السلطات المحلية الإذن
ومع ذلك، وحتى مع استثناء تلك المناطق، امتد نفوذ الشركة ليغطي تقريبًا كامل القارة
ويُقال إن المقر الرئيسي يقع في مكان ما في شيآن
ولو سُئل المرء لماذا اختيرت شيآن مقرًا من بين كل المدن، فالإجابة على الأرجح بسيطة، لأن عشيرة مي هوران، التي ينتمي إليها سيد الشركة، تتخذها مقرًا لها
مع أنني لم أزرها يومًا
«ولماذا قد أذهب هناك؟»
قد يكون لدى شخص مثل غو يون سيو أو غو هيبي سبب للذهاب، لكنها بالتأكيد ليست وجهة تناسبني
على أي حال، وباستثناء المقر الرئيسي، كان فرع هانام بلا منازع الأكثر نفوذًا بين جميع فروع شركة بايكهوا التجارية
فهانام ليست فقط موطن وودانغ ومقر تحالف الموريم، بل هي أيضًا واحدة من أكبر مدن تشونغيوان
وكان هذا الفرع يدر دخلًا يفوق حتى المقر الرئيسي نفسه
وقد انعكس ذلك على فخامته، فالمبنى كان من أطول وأبرز المباني في هانام، تعبيرًا واضحًا عن مكانة شركة بايكهوا التجارية
وفي تلك اللحظة، كنت أقف في الطابق الأعلى من ذلك البناء الشاهق، داخل فرع هانام لشركة بايكهوا التجارية
كانت الغرفة نظيفة على نحو مثالي
لم تكن هناك ذرة غبار، وكان الهواء يحمل إحساسًا خانقًا من النظافة المفرطة
كانت شديدة النظافة لدرجة أن التنفس بدا كأنه فعل مُدان
أو ربما أنا من شعرت بعدم ارتياح في المكان، وهذا يفسر لماذا بدا لي كذلك
على أي حال، وجودي هنا كان يبعث القلق في نفسي بلا شك
«مر وقت طويل»
انتزعني الصوت من أفكاري، وابتلعت ريقي بصعوبة
ظل طقم الشاي أمامي دون أن يمس
رفعت نظري بحذر وقدمت التحية
«لقد طال الغياب، يا سيدة مي»
لم تكن الجالسة أمامي سوى مي هوران، سيدة شركة بايكهوا التجارية
وسيدة عشيرة غو
مر نحو عام منذ آخر مرة رأيتها فيها
كانت المرة الأخيرة خلال فترة قاسية وأنا أتدرب تحت يد بايجون
وحتى وقتها، كنت أتجنبها قدر استطاعتي
أخفيت مشاعري الحقيقية وخاطبتها بأدب
«كنت في هانام لأمر يخص العمل، وبما أنني سمعت أنك هنا، رأيت أن من اللائق أن أقدم التحية»
أومأت السيدة مي لكلامي
وهذا كل شيء
…
…
ثقل الصمت في الهواء
الغرفة، التي كانت قاسية بطبيعتها، بدت الآن أكثر فراغًا
«هل أغادر فحسب؟»
هل من الأفضل أن أحييها وأذهب؟
راودتني هذه الفكرة
كنت هنا لأمر يخص العمل، لكنني لم أتوقع أن تسير الأمور هكذا
لم أتوقع لقاءً منفردًا مع السيدة مي نفسها
«كنت أنوي أن أحييها سريعًا فقط»
افترضت أنها ستكون في شيآن أو شانشي، لا هنا في هانام
حين علمت بوجودها في المدينة، كانت غريزتي الأولى أن أتظاهر بالجهل
لكن عملي كان يتطلب مني الاعتراف بوجودها
ومع ذلك
«ألا يمكن للعمل أن يمضي دوني؟»
كنت ميالًا بقوة لأن أجعل زيارتي مجرد تحية مهذبة وأغادر
لهذا الحد كنت غير مرتاح
من نواحٍ كثيرة، كانت السيدة مي أكثر ترهيبًا لي حتى من أبي
لا أعرف كيف أتعامل معها، وفوق ذلك كان هناك شيء مقلق فيها بطبيعته
شيء لا تفسير له
كيف ينبغي أن أتصرف؟
هل أعتذر وأغادر الآن؟
وبينما أنا متردد، قطعت السيدة مي الصمت
«لقد سمعت الخبر»
«…عفوًا؟»
للحظة لم أفهم ما تقصده
«لقد أودعت لدى الشركة مخزونًا من حديد البرودة ذي العشرة آلاف سنة»
«آه»
وضحت كلماتها الأمر
حديد البرودة ذي العشرة آلاف سنة الذي حصلت عليه في غوانغدونغ
تركته لدى شركة بايكهوا التجارية ليُحفظ بأمان
من الواضح أنها تشير إلى ذلك
«الكمية مثيرة للإعجاب، هل تود أن تشرح كيف عثرت عليه؟»
كانت نبرتها هادئة، لكن الكمية المعنية كانت فعلًا غير عادية
حديد البرودة ذي العشرة آلاف سنة لم يعد يُكتشف بعد الآن
ومع مرور الوقت، صار نادرًا إلى درجة أن العثور على كمية صغيرة منه يُعد حدثًا عظيمًا
معظم ما تبقى منه تحتفظ به الطوائف العظمى التسع، أو العائلات النبيلة الأربع، أو منظمات قوية أخرى
وحتى هذه الجهات لا تملك سوى كميات قليلة، وغالبًا تخلطها بمعادن أخرى لصنع سبائك باهظة القيمة
باختصار، كان حديد البرودة ذي العشرة آلاف سنة موردًا لا يُقدّر بثمن
ومع ذلك، فقد سلمته بصورته الخام غير المخلوطة
«عدة كتل منه أيضًا»
لم يكن مجرد قطعة واحدة
وبحسب ما أعلم، قد تكون الكمية التي جلبتها تضاهي مجموع الاحتياطي المعروف في تشونغيوان كلها
وأن تسأل السيدة مي عنه بهذه البرودة كان أمرًا لافتًا بحد ذاته
«…عثرت عليه مصادفة وأنا في غوانغدونغ، وبدا بلا صاحب، فأحضرته معي»
قلت الحقيقة وتجنبت أي كذب
لا جدوى من الكذب على السيدة مي، فهي ستكشفه فورًا
ثبت نظرها عليّ لحظة، وكان ثقل نظرتها مزعجًا
ثم قالت
«هل أبلغت تحالف الموريم؟»
ابتلعت ريقي عند سؤالها
بحسب القانون، أي اكتشاف لمثل هذه المواد ضمن نفوذ الفصائل المستقيمة يجب الإبلاغ عنه لتحالف الموريم
وبالطبع لم أبلّغ
لو فعلت، لصادروه بحجة أنه ممتلكات بلا مالك
«…لا، لم أبلّغ»
لم تقل السيدة مي شيئًا، واكتفت بالتحديق فيّ
هل كانت ستوبخني؟
إن فعلت، فلن آخذ الأمر ببساطة
«هل تعلمين ماذا تحملت لأحصل عليه؟»
هذا الحديد أساسي لخططي، وإن لم توافق السيدة مي
«سأسحبه وأخذه لشركة تجارة أخرى»
كنت مستعدًا بالفعل لاسترجاعه وبيعه في مكان آخر
وبينما أنا أتهيأ للأسوأ، تكلمت أخيرًا
«أحسنت»
«…؟»
جمدت في مكاني مندهشًا من مديحها غير المتوقع
حدقت بها غير مصدق، فتابعت
«هل أخبرت والدك؟»
«…ليس بعد»
«وهذا أيضًا كان قرارًا صائبًا، لو علم والدك لأصر على إبلاغ تحالف الموريم»
لم تكن مخطئة
أبي يلتزم بالقوانين القائمة بشدة، حتى إن لم يكن مقتنعًا بها
وهو رجل قليل الرغبة في المكاسب المادية، وهذا ما يجعل الأمر أكثر إحباطًا
«سأتولى الأمر، لا داعي لأن تقلق»
«…شكرًا لك»
رغم دهشتي، شعرت بالارتياح لسماع ردها
وربما لأن التوتر خف، وجدت نفسي أسأل سؤالًا كنت أكتمه
«أمم… أين هي؟»
«تقصد مديرة الفرع على ما أظن»
«نعم»
كنت أقصد مو يونغ هي آه، التي أصبحت مؤخرًا مديرة فرع هانام
انضمامها لشركة بايكهوا التجارية كان مفاجئًا بما يكفي
لكن خبر ترقيتها السريعة إلى مديرة فرع كان أشد صدمة
كانت قد قالت لي إن الأمر من أجل اكتساب الخبرة، لكن
«مدحتها قليلًا فذهبت وفعلت هذا!»
ما الذي فعلته لتصعد بهذه السرعة؟
السيدة مي ليست شخصًا عاديًا، وإن كانت مو يونغ هي آه قد وصلت إلى هذا المنصب، فهذا دليل على قدراتها الاستثنائية
وهذا يعني شيئًا واحدًا
«لا بد أن مو يونغ هي آه قدمت أداءً استثنائيًا لتنال إعجاب السيدة مي»
كنت أعلم أنها موهوبة في هذا المجال، ومع ذلك فاجأني الأمر
قالت السيدة مي: «مديرة الفرع خارج مهمة حاليًا»
«مهمة؟»
«نعم، وهي أيضًا سبب وجودي هنا في هانام، و»
طَقّ
دوّى صوت طي السيدة مي لمروحتها في الغرفة
«الأمر يتعلق بك أيضًا»
«…عفوًا؟»
عقدت حاجبيّ عند كلماتها غير المتوقعة
«يتعلق بي؟ ماذا تقصدين؟»
«لم يتأكد بعد، فقط ضعه في ذهنك، حين يحين الوقت سأشرح لك كل شيء»
«انتظري لحظة يا سيدة مي، أنا»
«سأتولى أمر حديد البرودة ذي العشرة آلاف سنة بنفسي، وسأضمن أن يتم التعامل معه بشكل يصب في مصلحتك»
…
أخرستني كلماتها
كان المعنى واضحًا
ستتكفل بملف الحديد مقابل صمتي بشأن الأمر الحالي
وحين يحين الوقت، عليّ أن أصغي مطيعًا لما ستطلبه
«لهذا سار كل شيء بسلاسة»
يبدو أنني تورطت في شيء سواء أعجبني أم لا
«يبدو أنه لا مفر»
ومع ذلك، لا أستطيع أن أصفها بصفقة سيئة
إن كانت السيدة مي تشرف بنفسها على التعامل مع الحديد
«فالأرباح على الأرجح ستكون أعلى، والأمان سيكون أكبر»
المخاطر التي كنت سأتحملها عادة ستنخفض كثيرًا
المشكلة الوحيدة كانت
«ماذا يمكن أن تريد مني بالضبط؟»
هذا هو الجزء المقلق
أي مهمة تستحق إرسال مو يونغ هي آه، فضلًا عن وجود السيدة مي نفسها هنا في هانام؟
ولماذا تتعلق بي؟
كان لدي أسئلة لا تُحصى، لكن لا مجال لطرحها الآن
نقرت لساني في صمت وغيّرت المسار
بما أن السيدة مي أغلقت باب الاستفسار، قررت تغيير الموضوع
«يا سيدة مي، إن سمحتِ، لدي طلب لا علاقة له بهذا الأمر»
حدّت نظرتها قليلًا، وكأنها استغربت طلبي المفاجئ
«طلب؟ ما هو؟»
«هل يمكنك مساعدتي في ترتيب مسكن؟ على الأرجح سأبقى في هانام نحو ثلاثة أشهر»
لأجل تعافيّ وخطط أخرى، كنت بحاجة إلى مكان إقامة لمدة طويلة
يمكنني ترتيبه بنفسي، لكن المرور عبر الشركة التجارية سيكون أسرع وأكثر كفاءة بلا شك
«كنت أنوي أن أطلب المساعدة من مو يونغ هي آه»
للأسف، لم تكن متاحة في الوقت الحالي
فكرت السيدة مي قليلًا ثم أومأت
«هناك مكان مناسب قريب، سأرسل من يقودك إليه»
«شكرًا جزيلًا لك»
لم أسأل عن التكلفة
فأنا ثري الآن
كنت قد تجاوزت أيام التسول من مو يون لأجل فكة
تلك الأيام التي كان فيها مصروفي ضئيلًا، وأحيانًا معدومًا بعد إحدى مغامراتي الكثيرة، صارت خلفي
لم أعد مضطرًا لتمحيص الأسعار لأتمكن من شراء زلابية واحدة
على أي حال، بما أنني حصلت على ما أريده، بدا أنه الوقت المناسب للمغادرة
وبينما أتهيأ للخروج بهدوء، قالت السيدة مي
«ذكرت أنك ستبقى ثلاثة أشهر»
جعلتني كلماتها أتوقف وأجلس مجددًا
«هل يعني هذا أنك تنوي المشاركة في البطولة القتالية؟»
كانت تشير إلى بطولة شينريونغ القتالية، وهي فعالية ينظمها تحالف الموريم في الصيف، وستتزامن مع فترة بقائي في هانام
«نعم، قلت لنفسي إنني سأجرب بما أنها ستقام»
لم يكن هناك ما يدعو لإخفائه، فأجبت بصراحة
نظرت إليّ السيدة مي بتعبير غريب
«أفهم»
كان في نظرتها ثقل غير مألوف، ثم قالت كلماتها التالية بحذر غير معتاد
«لا أملك نصائح كثيرة، لكن إن أصررت على المشاركة، فاعتنِ بنفسك»
…؟
أوسعت عينيّ دهشة من قلقها غير المتوقع
كان هذا أكثر مفاجأة من مديحها السابق
«…شكرًا لك»
قلت ذلك متلعثمًا وأنا أنحني برأسي
اكتفت السيدة مي بهزة رأس، ولم تقل شيئًا أكثر
الصمت الذي تلا ذلك كان خانقًا من شدة الإحراج
وأخيرًا، حين لم أعد أحتمل، نهضت للمغادرة
«إذن سأستأذن، أعلم أنك مشغولة، ولا أريد أن أثقل عليك أكثر»
وبذلك العذر المهذب، وقفت وقد شعرت بالارتياح
كان الحديث معها أشد إرهاقًا بعشر مرات من مقاتلة أحدهم
ورغم أن الحديث كان قصيرًا، شعرت كأنني استُنزفت تمامًا
وبينما أنا في طريقي للخروج، نادتني السيدة مي
«بالمناسبة»
تجمدت في منتصف الخطوة
«قالت إن الآنسة تانغ هنا معك»
ذكر تانغ سو يول جعلني أتوقف مرة أخرى
«…نعم، التقينا مصادفة»
مصادفة ليست كلمة خاطئة
ولا حاجة لأن أزيد شيئًا
ثم سألت السيدة مي
«هل ستقيم في المسكن نفسه معك؟»
«على الأرجح»
إلا إن طلبت تانغ سو يول سكنًا منفصلًا، فعلى الأرجح سنقيم في المكان نفسه
وليس كما لو أن المسكن سيكون صغيرًا، خصوصًا أن سونغ يول سيقيم معنا أيضًا
عند إجابتي، بدا أن السيدة مي ترددت قليلًا، كأنها منزعجة من الترتيب
وبعد لحظة، تكلمت مجددًا
«أنت تصبح أشبه بوالدك في بعض النواحي، وهذا محمود، لكن هناك جوانب منه لا حاجة لأن تقلدها»
«…عفوًا؟»
أربكتني عبارتها المبهمة
«ماذا تقصدين بذلك؟»
«لا تهتم، اذهب الآن»
لوحت بيدها لتُنهي الحديث، كأنها تقفل الباب على سؤالي
ومع أنني بقيت حائرًا، امتثلت
لكن وأنا ألتفت للمغادرة، سمعتها تتمتم بصوت منخفض
«من بين كل الصفات، ورث تلك الصفة بالذات، سيعاني أولئك الأطفال»
توقفت في مكاني والتفت، لكنها كانت قد انهمكت في رسالة ولم تعد تنظر إليّ
«هل سمعت هذا فعلًا؟»
هل أتخيل بسبب أنني لست بخير؟
لا بد أن هذا هو السبب
صار من الملح أكثر من أي وقت أن أبحث عن الطبيب السماوي
قد تكون حالتي أسوأ مما أظن
«سأمر على المسكن أولًا ثم أذهب فورًا لأجده»
وبهذه الخطة في ذهني، اتبعت المرشد إلى مقر إقامتي الجديد
لكنني لم أحصل حتى على فرصة للاستقرار قبل أن أدرك كم كانت تلك الخطة غير ضرورية
فما إن وصلت إلى المسكن
«أيها الوغد! كيف تجرؤ على حركة كهذه!»
«آه، يبدو أن العمر بدأ يلحق بك، لا عجب أنك لا تقدر على مجاراتي»
«ماذا قلت للتو!؟»
تجمدت في مكاني، مذهولًا من المشهد أمامي
بدل الهدوء الذي توقعته، وجدت فوضى كاملة
«تخسر كل جولة حتى الآن، ومع ذلك لسانك لا يتوقف!»
«ومع ذلك أنا أفوز الآن، أليس كذلك؟»
كان المكان واسعًا، قرب جبل وبجانبه بركة تعيش فيها أسماك كوي كبيرة
كان الجو هادئًا، إلى أن صار هكذا
«تبًا لكل شيء! جولة أخرى الآن!»
كان الطبيب السماوي، الذي كنت أنوي زيارته، يقلب لوح الغو ويصرخ بغضب
«هاها»
وأمامه جلس شاب بشعر أسود مألوف، يضحك من نوبة الغضب
لا، ليس شابًا
كان بايجون، أحد الثلاثة الأسمى، المعروف أيضًا بمنفي العالم السماوي، يبتسم بثقة متعجرفة للطبيب السماوي
«يا له من أمر مسل، لكنني لا أرغب بالمتابعة، مهارتك ضعيفة لدرجة أنها لا تُمتع، ربما مرة أخرى إن كنت في مزاج مناسب»
كانت كلماته مستفزة إلى أبعد حد
«غررر!»
انهار الطبيب السماوي على كرسيه وهو يغلي من الإحباط
أما بايجون فواصل الضحك بمرح
أما أنا
…
لم أستطع سوى التحديق، صامتًا، في الفوضى التي تتكشف أمامي