طقطقة
«آآآه!»
كانت الشمس قد غربت، وكان القمر عاليًا في السماء، وفي ظلام دامس لا يقطعه أي ضوء، ترددت صرخات الألم في المكان
قرمشة
امتلأ الهواء بصوت ساق تنكسر بينما انهار أحد الشياطين على الأرض وهو يقبض على ساقه ويصرخ من شدة الألم، كان واضحًا أن الأمر ليس شجارًا عاديًا، وكانت هناك هيئة وحيدة تقف تحت ضوء القمر تراقب المشهد
«…»
من فوق مبنى مرتفع، كان موغوون، الملقب بالقبضة الصامتة، يراقب ما يحدث في الأسفل، كانت الشياطين عالقة في قتال وحشي
لم يكن هذا مستغربًا، فالشياطين ذوو الرتب الدنيا أو من تحوّلوا حديثًا غالبًا لا يقدرون على كبح جنونهم، فتكثر المعارك بينهم، وفوق ذلك فإن معظم من يصيرون شياطين يأتون من الطوائف المنحرفة أو يحملون ماضيًا قذرًا، وغالبًا لا يسيطرون على طباعهم الحادة
كثيرون ينتهون قتلى في هذه المعارك، لكن سيد الوحدة لا يهتم، لذا لم يكن هذا مصدر قلق
لكن
«آآه… توقف، أرجوك!»
«توقف؟ أيها الوغد، تظن أن الأمر انتهى؟»
كان وضع اليوم مختلفًا، راقب موغوون بعين هادئة
همم
قيّم الشياطين الساقطين على الأرض وهم يصرخون
إنهم من وحدة سيف غوي
كان قد سمع أنهم أحضروا بعض مبارزي سيوف الشياطين لحراسة الحدود والأعمال الوضيعة، ووحدة سيف غوي لها سمعة سيئة، ورؤيتهم بهذه الحالة منذ يومهم الأول تقول الكثير
لو كانوا من وحدة اللهيب الأسود، لما تجرؤوا على التمادي بهذه الطريقة
الخوف من سيد الوحدة كان سيجعلهم منضبطين
فلا أحد يريد أن يُحرق حيًا بدءًا من قدميه، لذا يتجنبون الحركات الزائدة
وهو يراقب، عقد موغوون حاجبيه، عادة كان سيتدخل لإيقاف الموقف
لكن هذا
بماذا يمكنه أن يسمي ما يحدث؟
وقف موغوون عاجزًا لوهلة وهو يشاهد المشهد يتدحرج أمامه
هم ما زالوا من الرتب الدنيا، لكنهم تجاوزوا مستوى بدائيًا من النضج، فلا يُنقل إلى هنا إلا شياطين يمتلكون مهارة تكفي لأن تلاحظهم وحدة اللهيب الأسود
ومع ذلك
يُتلاعب بهم كأنهم ألعاب
المجند الجديد الذي انضم اليوم كان يسقط ثلاثة منهم بسهولة تامة
«أيها الوغد! هل تعرف من أنا؟»
«آااه!»
«…»
مع أن الأمر بدا كعراك تافه مدفوع بالعاطفة، فإن الحركات التي لمحها موغوون بين حين وآخر كانت استثنائية
إنه يسيطر على طاقته الشيطانية بإتقان تام
المجند الذي أدخله نائب السيد كان أقدر بكثير مما توقعه موغوون
أظنني فهمت لماذا طلب مني سيد الوحدة مراقبته
لا بد أن سيد الوحدة عرف أن يضع عينه على مهارة هذا المجند
ومن سيلتقط الأمر أولًا إن لم يكن سيد الوحدة؟
لكن بقي سؤال واحد عالق
«تهرب؟ أنت تهرب فعلًا؟ تعال إلى هنا! إن أمسكتك فأنت ميت»
«إييك!»
«نظرت في عيني، تعال إلى هنا»
«أرجوك… ارحمني!»
«…»
كان في هذا المجند الجديد شيء مألوف على نحو غريب
«غَررر…»
أحد الشياطين، بعدما عجز عن تحمل الألم، بدأ يزبد من فمه ثم فقد وعيه
عندها قرر موغوون أن الوقت حان للتدخل
لم يكن هذا ما توقعته، لكنه يكفي
وبينما كان موغوون على وشك التدخل لإيقاف العنف
«…ماذا تفعل…؟»
جاء صوت من خلفه، فركع موغوون فورًا على ركبة واحدة
لا أحد هنا يستطيع الاقتراب منه بهذه الخفة سوى شخص واحد
ومن دون أن يرفع بصره، خاطب موغوون صاحب الصوت
تحياتي، يا نائب السيد
خطوة
ورأسه مطأطأ، سمع وقع خطوات خفيفة تقترب ثم تتوقف بجانبه
في بقعة يغمرها ضوء القمر، كانت ملكة سيف الشيطان ماغيومهو تقف وتنظر إلى المشهد في الأسفل
كان شيطانان مطروحين على الأرض، وواحد يُضرب كجرذ محاصر على يد ذلك المجند الشاب
«…»
راقبت ملكة سيف الشيطان بتركيز شديد، وعيناها مثبتتان على ذلك الشاب وحده
موغوون
«نعم، يا نائب السيد؟»
عند ندائها أجاب موغوون وهو ما زال لا يرفع رأسه
كان يعرف أنها تكره تبادل النظرات مع أي شخص سوى سيد الوحدة
أنت
«نعم»
«…»
انتظر موغوون بصبر ظنًا أنها ستكمل، لكنها لم تقل شيئًا آخر، وحين همّ أن يرفع رأسه قليلًا بدافع الفضول
لا بأس، لا شيء
تمتمت ملكة سيف الشيطان بهذه الكلمات ثم اختفت مجددًا
كان تصرفها غريبًا، لكن موغوون أخفى حيرته
«هيه! هيا، استفق، تنفس! تنفس… آه، اللعنة»
حين سمع الصوت في الأسفل، نهض موغوون وأدرك أن شيئًا حدث أثناء تردده
نزل بسرعة إلى الساحة في الأسفل
في الأثناء، بقيت ملكة سيف الشيطان غارقة في أفكارها، تتذكر ما حدث الليلة الماضية
كانت تتجول في الغابة وقد مدت حواسها إلى أقصى حد
الثقة ليست شيئًا تمنحه بسهولة
حتى لو ذكر المجند زعيم الطائفة، فهي لا تثق بأحد، وبخاصة الرجال في مثل سنه
وحين تمد حواسها بالكامل، كانت تغطي الغابة كلها
ولا صوت يفلت منها
ولهذا
أرى أنك ما زلت تحب القمر
لم تستطع إلا أن تسمع كلماته وهو يحدق في القمر المكتمل
…
مشت ملكة سيف الشيطان ببطء وهي تستعيد ذلك الصوت
الحزن، والحنين، والأسى المكبوت داخله، بقيت تلتصق بذاكرتها
لكن كانت هناك أمور أهم الآن
يجب أن أراه
لقاء سيد الوحدة له الأولوية
حل اليوم التالي، ومعه جاء النهار
بفضل عراك الليلة الماضية الحاد، كانت المساكن هادئة، وتمكنت من النوم جيدًا
ربما لأنني كدت أقتل واحدًا منهم؟ كانت الشياطين يرمقونني بنظرات غريبة اليوم
لو لم يتدخل موغوون، لكان الأمر انقلب كارثة
فقدت السيطرة بسبب ضيق تراكم لأيام، وتماديت أكثر من اللازم، ضربت واحدًا حتى كاد يدخل في حالة شلل تام
لن يمشي قريبًا
حسنًا، ما حدث حدث
لم أتوقف عندها كثيرًا
لقد هدأت كثيرًا، في الماضي لم أكن لأشعر بالرضا إلا إن فعلت شيئًا بذلك الرجل في اللحظة نفسها
ولم يكن ليهمني إن قتلته
هذا كان واضحًا بما يكفي
أدركت شيئًا وأنا أضربهم الليلة الماضية
هم ليسوا من وحدة اللهيب الأسود
ومن أسلوب قتالهم، كانوا أتباعًا لوحدة سيف الشيطان، يمكنك تمييزهم من طريقة إمساكهم بالسيوف، فأطراف أصابعهم مشبعة بنية القتل
هكذا كانوا دائمًا
سيد الوحدة مجنون عطشان للدم، ومن الطبيعي أن يحمل أتباعه الهالة نفسها
هناك سبب يجعلني أضرب أي مبارز من مبارزي سيوف الشياطين أراه
بصراحة، أنا لا أطيقهم
لكن هذه ذكرى من الأفضل تركها في الماضي
نظرت حولي في المكان، كنا جميعًا مجتمعين في القاعة، والشياطين مصطفون بصمت
كان التوتر واضحًا عليهم
لماذا يبدون مرعوبين هكذا؟
لم أفعل سوى أن أراقب بحيرة، ثم حين وقع بصري على ملابسي تنهدت
أرتدي هذا مجددًا
الرداء القتالي الأسود الذي يسمونه الزي الطائفي لطائفة الشياطين
كان يحمل شعار وحدة اللهيب الأسود، لم أتخيل أنني سأرتدي هذا الشيء الملعون مرة أخرى
هذا محبط فعلًا
في كل مرة أستيقظ أتساءل هل عدت إلى العالم الحقيقي
لكن بعد 3 أيام، صار واضحًا أنني يجب أن أتوقف عن التعلق بهذا الأمل
كان الأمر هكذا آخر مرة عدت فيها، احتجت 3 أيام لأتقبل الواقع
اللعنة
إن أردت العودة، فعليّ أن أفعل شيئًا
لكن أول ما أحتاجه هو معرفة ما هو ذلك الشيء
لا شيء محدد يخطر ببالي حتى الآن
يجب أن أجد فرصة لجمع معلومات
كوني محاصرًا هنا كان كافيًا ليجعلني بائسًا، لكن لا خيار أمامي
حين تقع في هذه الفوضى، الأسرع أن تتقبلها وتبحث عن طريق للأمام
صرير
جعلني صوت الباب متوترًا
دوي
في لحظة انفتاح الأبواب، امتلأت القاعة بحضور ثقيل
لو تراخيت، لربما انهرت
آه… لهذا إذًا
مع الشعور بتلك الطاقة الساحقة فهمت لماذا الجميع مشدودون هكذا
لو لم يتهيؤوا بهذه الطريقة، لربما أغمي عليهم
ذلك المجنون
لم أستطع منع نفسي من شتمه بصوت منخفض حين عرفت صاحب الحضور
ذلك الوغد على الأرجح لا يدرك أنه ينفث هذا القدر من الطاقة
الأحمق عليه على الأقل أن يحاول كبحها إن كانت طاقته الشيطانية تفور إلى هذا الحد
وقع ثقيل
ترددت خطوات ثقيلة في القاعة
تقدم النسخة الماضية مني، ورداؤه الأسود يرفرف، يمسح القاعة بعينين بنفسجيتين
مجرد النظر إليه جعلني أنكمش
كان الأمر مهينًا
أفضل أن أموت خجلًا على أن ينكسر وعائي
هذا صحيح تمامًا
كان يحاول فعلًا أن يبدو مهيبًا، ماذا كان يفكر؟
خلفه تبعت ملكة سيف الشيطان، وموغوون، وستة آخرون
كانوا نخبة وحدة اللهيب الأسود
وقع! وقع!
في اللحظة التي ظهر فيها، هوت الشياطين على ركبها في آن واحد
ولكي لا ألفت الانتباه، ركعت أنا أيضًا
«تحياتنا، يا سيد الوحدة!»
ترددت التحية في القاعة العالية الواسعة
واصل شيطان اللهيب الأسود السير، غير مكترث بعلو الأصوات
ومع ذلك
لماذا يحدق بي؟
لاحظت أن نظرته توقفت عندي لحظة قبل أن تنتقل
في هذا الوقت، لم تكن النسخة الماضية مني تنظر إلى أحد بهذه الطريقة إلا لسببين
إما شخص يثير اهتمامه
أو شخص ينوي قتله قريبًا
ومن نظرة واحدة فهمت أنه كان الأمرين معًا
كان مهتمًا بي، وفي الوقت نفسه يضعني هدفًا محتملًا، عرفت ذلك من دون حاجة لأن أنظر مرة أخرى
يبدو أنني وُسِمت
تجاهلت نظرته قدر استطاعتي وأبقيت رأسي منخفضًا
صرير
حوّل شيطان اللهيب الأسود نظره عني وصعد إلى العرش ثم جلس بثقل
«وصل تقرير»
دخل في صلب الموضوع كالعادة، بلا إضاعة وقت
«يقال إن السيد السماوي، ذلك العجوز الخرف، يتسكع قرب حدودنا»
عند ذكر وجود السيد السماوي قرب سيتشوان، اضطربت الشياطين في القاعة
هذا يعني أن الهدنة الهشة التي استمرت حتى الآن قد تتصاعد مجددًا إلى حرب
وأنا أستمع، تسارع ذهني
السيد السماوي في سيتشوان
كنت قد سمعت هذا من ملكة سيف الشيطان في الماضي مباشرة
وإن كان هذا في ذلك التوقيت، إذًا
أوه… لا تقل لي
اتسعت عيناي مع الفكرة التي ضربتني
كنت أعرف أن السيد السماوي كان يتجول قرب سيتشوان في مرحلة ما
وسبب ظهوره هنا كان واضحًا، أراد لفت الأنظار عمدًا، متجاهلًا أوامر زعيم الطائفة التي تمنع الحكام الثلاثة من التدخل، ليجذب تركيز الشياطين
إذًا الآن هو الوقت
حين ركبت القطع معًا، فهمت أخيرًا الحقبة التي أنا فيها
نظرت إلى شيطان اللهيب الأسود وأنا أفكر
سبب جذب السيد السماوي للانتباه بسيط
لكي يرسلَه
هدف السيد السماوي كان أن يجذب انتباه الجميع
وفي الوقت نفسه، سيتسلل شخص آخر بلا ملاحظة، وهذا هو الهدف الحقيقي
وذلك الشخص ليس سوى
السيد المهزوم
كانت عملية لإدخال السيد المهزوم إلى سيتشوان
وهذا يعني أننا قبل ظهور السيد المهزوم مباشرة ليقلب كل شيء رأسًا على عقب
في ذاكرتي، هاجم بعد 7 أيام من وصول هذا التقرير
اللعنة
لماذا الآن تحديدًا؟ لم أستطع إلا أن أحدق وأنا أقبض على رأسي بغضب
هل مشكلة الأمر في قدوم السيد المهزوم؟ لا، ليس هذا
سبب قلقي كان شيئًا آخر تمامًا
عضضت شفتي ونظرت نحو شيطان اللهيب الأسود
أنت كنت تعرف مسبقًا
كنت أعرف أن السيد السماوي في المنطقة قبل أن ترفع ملكة سيف الشيطان التقرير أصلًا
وكنت أعرف أيضًا أن السيد المهزوم سيظهر قريبًا
ومع ذلك اختار ذلك الأحمق أن يتظاهر بالجهل
إن كان توقعي صحيحًا، فسوف يقول شيئًا كهذا الآن
«وصلتنا أوامر…»
من الطائفة
«أوامر من الطائفة»
حين سمعت الكلمات تمامًا كما توقعت، أغمضت عيني بقوة
«يجب أن نرسل رسالة إلى السيد السماوي الذي تحدى أوامر زعيم الطائفة»
وبملامح جامدة، جالت عيناه البنفسجيتان على الشياطين المجتمعين، فارتجفوا تحت نظرته
«من الآن فصاعدًا…»
سواء كان يدرك أم لا، واصل ذلك الأحمق خطابه بلا اكتراث
«نبدأ مطاردة ذلك الوحش العجوز»
«أمرًا، سيدي!»
ردت الشياطين على كلمات سيد الوحدة بصيحة
وسط هذا كله، لم أستطع إلا أن أعبس وأنا أضغط على شفتي
كما توقعت
مهما نظرت إليها، النتيجة واحدة
أنا محاصر داخل ذكرى لا مخرج منها، أحاول أن أكسر القيود ولا أقدر
وبكل معنى للكلمة، كان هذا العالم حقًا عالم الجحيم الذي صنعته بيدي