«هاه…!»
حين استعدت وعيي، أخذت أتنفس بعنف، وأسعل بضع مرات بينما كانت عيناي تتنقلان في كل اتجاه
أين أنا…؟
بدت السماء فوقي غير مألوفة، بل إنني لا أستطيع حتى أن أسميها سقفا، لأنني لم أرَ سقفا أصلا، كل ما رأيته كان السماء
هل كان ليلا؟ أم قبيل الفجر؟ كانت السماء معتمة على نحو ملتبس، مما جعل تحديد الوقت صعبا
انتفضت فجأة، وجلست في الحال بغريزة وأنا أتفحص ما حولي
«…أين هذا المكان؟»
لم يكن حولي سوى أرض محترقة مسودة، قبضت حفنة من التراب وتفحصتها عن قرب
«هذا…»
كانت التربة فاسدة، فاسدة تماما وبشكل مقزز
بدت كأنها تعفنت بفعل السموم، ولحسن الحظ، بدا أن وقتا كافيا قد مر لتتلاشى بقايا السم
نفضت التراب عن يدي ونهضت، كان علي أن أعرف أين أنا أولا
«إلى أين بحق أرسلتني؟»
دوّرت طاقتي في جسدي، وتركتها تسري في مسارات دمي ثم تعود إلى نواتي
كانت كمية صغيرة من الطاقة قد تعافت، ولم أشعر بأي خلل في جسدي
ثم تذكرت كلمات تانغ جيمون، بما أنها ذكرت اختبارا، فهل كان هذا المكان كله ساحة الاختبار؟
«لاختبار كهذا، له أجواء غريبة»
الجو المرعب شد انتباهي، ليس الحفرة التي كنت فيها فحسب، بل شيء مخيف في الخارج كان يطرق على غرائزي بلا توقف
جمعت قوتي وقفزت
ارتطام!
شققت الأرض وخرجت من الحفرة دفعة واحدة
«…هاه؟»
ما إن هبطت حتى استوعبت المشهد خارج الحفرة، واتسعت عيناي من الدهشة
تفحصت محيطي، وخلال ثوان لم أستطع إلا أن أُصدم
ولسبب واضح
«…ما هذا بحق؟»
بشكل لا يصدق، المكان الذي كنت مستلقيا فيه قبل قليل كان داخل بحيرة السموم
البحيرة التي كان ينبغي أن تكون ممتلئة بالماء، كانت قد فرغت تماما، ولم يبق سوى حفرة، وأنا ملقى في مركزها
«…ماذا؟»
أطلقت زفرة عدم تصديق
كيف فرغ كل ذلك الماء في لحظة؟ ما الذي يحدث؟ ليس فقط أن البحيرة فرغت، بل…
«تبّا…»
بحيرة السموم كانت شيئا تحفظه عشيرة تانغ كأحد أعظم أصولها
يظهر دخيل، وفجأة تختفي مياه البحيرة؟ لا توجد طريقة لأشرح ذلك
هذا سيئ للغاية
كيف سأبدأ حتى بتفسير هذا؟
«…تبّا»
ظننت أنني أخيرا صادفت حظا حقيقيا، لكن هذا أيضا انتهى بكارثة
أرخيت العبوس في جبيني ونظرت حولي، آملا أن أرى ناهي التي كان ينبغي أن تنتظر في الخارج
«…!»
وأنا أتفحص المنطقة بحذر، لاحظت غرابة أخرى
كل ما حولي كان ذابلا وميتا، والغابة التي مررت بها كانت كذلك
كانت الأشجار ملطخة بالسواد من الداخل والخارج، دليل على أنها تعفنت تماما
الغابة التي كانت عشيرة تانغ ترعاها بعناية…
…ماتت
خفق
جعلني المشهد أخفق بقوة، وتحرك جسدي من تلقاء نفسه
مستخدما الكمية الصغيرة من الطاقة التي تعافت، اندفعت للأمام
هناك خطأ ما
هل كان هذا هجوما؟ هل هاجم أحدهم بينما كنت غائبا؟
كان عقلي يحاول استيعاب الأمر بصعوبة
لم أستطع سوى الركض
«وماذا عنهم؟ ماذا عنهم…!»
لم يكن لدي وقت لتقييم الموقف، كان علي فقط أن أواصل الركض
ربما لأنني أجهدت نفسي فجأة، انفجرت أوعية دموية في عيني
ارتطام—هدير—!
وأنا أثير الغبار، وصلت إلى وجهتي
طوال الطريق لم أرَ شخصا واحدا، وكانت رائحة دم خفيفة ممزوجة بهالة قاتلة تظلّ عالقة في الهواء حولي
مزقت الباب باندفاع عاجل
«هاه…»
حاولت تهدئة قلبي المنفلت، لكن ذلك لم يكن سهلا
ماذا لو حدث لهم شيء؟
ذلك القلق ملأ رأسي بينما كنت أتجه إلى المكان الذي توجد فيه نامغونغ بي-آه ووي سول-آه
حتى وأنا أسير في الممر، عضضت شفتي حين رأيت الدم الذي لطخ الجدران والأرض
تسرب الدم من شفتي إلى ذقني
أخيرا وصلت إلى المكان، لكن…
«هاه…»
لم يكن هناك أي أثر لأحد
لم يبق سوى إشارات باهتة تدل على أن أحدا كان هنا
لم أعرف هل أشعر بالارتياح أم بالانهيار
فارقتني قوتي، فتهالكت على الأرض
«ما…ما هذا؟»
ارتجفت يداي قليلا
ما الذي يحدث بحق؟
كان الموقف يتطلب هدوءا، لكنني لم أستطع تثبيت نفسي، قلبي كان يخفق أسرع من المعتاد، وأنفاسي كانت مضطربة بالفعل
مشاعري المتصاعدة أشعلت حرارة في جسدي
ما الذي انقلب خطأ؟
كم بقيت في ذلك المكان حتى ينتهي الأمر إلى هذا؟ وماذا عن الآخرين؟ هل هم بخير؟
ماذا حدث هنا بحق؟
وأنا أقبض على صدري النابض بالألم، حاولت ترتيب أفكاري
صرير
ظهر شيء داخل مجال إدراكي
إنه شخص
استدار رأسي نحوه
«تبّا…ما الذي يجري…! ألا توجد أي رسائل من الوحدات الأخرى؟»
سمعت أصواتا
«…سيدي، يجب أن نعيد التجمع فورا…! وإلا فستكون فرق التسلل الأخرى…» «أيها الأحمق، ماذا تتوقع أن ننجزه بالذهاب إلى هناك؟ ألا تدرك من الذي ينتظرنا؟» «لكن…!»
هذا وحده كان كافيا
طقطقة—!
اندفعت نحو المتسللين داخل المبنى، كسرت ساق أحدهم لإسقاطه، وحين هوى، أمسكت الآخر من عنقه
«غغخ!؟»
مباغتا، حدق المتسلل بي بعينين متسعتين
تفحصت وجهه وأنا أقبض على عنقه
رجل بملامح عادية
على الأقل، لم يكن أحدا أعرفه
وفوق ذلك…
«تحالف موريم؟»
الثياب التي يرتديها كانت بوضوح ثياب وحدة السيف التابعة لتحالف موريم
«غغ…أورغ…»
عندما رأيت زيه، خففت قبضتي عن عنقه قليلا
«من أنت؟ ولماذا يوجد تحالف موريم هنا؟» «سعال…هف… أأنت… ناج؟»
نظر إلي بصدمة، كأنه لم يتوقع أن يرى أحدا حيا
ناج؟
«نـ…ناج…؟ قيل لي إنه لا ناجين…؟»
كلماته الباردة جعلت وجهي يلتوي
هذا يعني أن هجوما وقع على عشيرة تانغ
«ماذا حدث هنا؟ أجبني» «هـ…هل أنت مع عشيرة تانغ؟ أنا من تحالف موريم…» «أجبني أولا إن لم ترد أن تموت»
وقد امتلأت كلماتي بنية قتل، فشحب وجهه
«أنين…أوغ…»
كان الرجل الذي كسرت ساقه يئن بجانبه، وينظر إلي برعب
«من…من أنت…؟ كيف يعامل مقاتل تحالف موريم بهذه الطريقة؟» «اصمت وأجبني، لماذا صار هذا المكان على هذه الحال؟»
كنت أفقد أعصابي
لم أكن أعرف ما الذي يحدث
عشيرة تانغ كانت في حالة يرثى لها، ولا أثر للحياة في أي مكان
لم أكن أعرف كم مر من الوقت، ولم أكن أعرف إن كان الآخرون أحياء أم أمواتا، ولم أستطع البقاء هادئا
كنت على وشك تدمير كل ما أمامي، وبالكاد أكبح نفسي، وحين شعر باضطرابي، تكلم الرجل بتردد
«ر…رجاء اهدأ…! إن رفعنا صوتنا فقد يسمعنا الآخرون…!» «ماذا؟»
هذه الجملة جعلت الأمر أسوأ
«قلت الآخرون؟» «نـ…نعم… الكائنات الشيطانية الموجودة هنا الآن… هل تعرف…؟»
طقطقة…
حين سمعت كلماته، انكسر شيء في داخلي
«…كيف تعرف عن الكائنات الشيطانية؟» «ماذا تقول…! ليس هذا وقت… أورب!»
سحبت الطاقة الشيطانية نحو قلبي، وتسرّبت الهالة المشؤومة عبر جسدي كله، واشتدت حتى وصلت إلى عيني
عندما رأى الرجل وجهي، بدأ يرتجف من الخوف
«شـ…شيطاني…!؟»
لقد قالها فعلا
كلمة لا ينبغي لأحد في هذا العصر أن يعرفها
«…ماذا؟»
ما هذا التفاعل؟
كيف عرفوا عن الكائنات الشيطانية؟
وأنا أستوعب ذلك، سرت قشعريرة في عمودي الفقري
أدرْت رأسي ومسحت المكان بنظري مرة أخرى، أجمع كل ما رأيته
بحيرة السموم الفارغة
الغابة المتعفنة الخالية من الحياة
عشيرة تانغ المغمورة بالدماء
أناس يعرفون عن الكائنات الشيطانية وتحالف موريم
حين جمعت ذلك كله، بدأت أرى خيطا رابطا أخيرا
«أوغ…»
لم أستطع تحمّل الأمر، فتقيأت
«أوغ…»
كان الأمر كأن كل ما في داخلي يخرج
كلما تقدمت أفكاري، اشتد الخوف والتف حول عنقي أكثر
«…لا… لا، أرجوك…»
دعوت ألا يكون هذا ما قصدته تانغ جيمون بالاختبار أو بالندم الذي تحدثت عنه
ومع تسرب الخوف من فمي، شعرت باندفاع نية قتل من خلفي
في اللحظة التي شعرت بها، لوحت بيدي
اندلعت النيران
«غاااه!»
لهب أسود ملوث بالطاقة الشيطانية التصق بالمهاجم، ثم تمدد بسرعة حتى صار حريقا يلتهمه
لم يستغرق الأمر طويلا حتى انطفأت حياة الرجل، بينما غطى الرجل الآخر فمه بيده
«اللهب الأـ…الأسود… شيطان اللهيب الأسود…؟»
طَق
ليّت عنقه قبل أن يطلق مزيدا من الهراء
طقطقة طقطقة—
اتخذت النيران جسده وقودا، فاشتعلت بقوة
مسحت آثار القيء عن فمي بيدي، ثم قبضت قبضتي وضربت الجدار
«…تبّا!»
دوّي!
غرست قبضتي في الجدار، وانتشرت تشققات كخيوط العنكبوت إلى الخارج
ومع تفتت الغبار والشظايا من الجدار، تسارع عقلي
كل شيء كان واقعيا أكثر مما ينبغي
الثقل العالق في الهواء، الإحساس الفج بتزهق روح…
حتى الإحساس في ذراعي المغروسة في الجدار
كل شيء بدا حقيقيا، هل كان هذا وهما فعلا؟
إن لم يكن… فماذا إذن؟
«…هذا لا يمكن أن يكون حقيقيا، هذا… هذا كثير جدا»
ارتجفت يدي وأنا أمسح وجهي مرة بعد مرة
ومع الفوضى التي أحاطت بي، لم أعد قادرا على تجاهل وضعي
حين جمعت كل شيء، لم يظهر سوى استنتاج واحد، هذا ليس حدثا وقع بينما كنت داخل ذلك المكان، وليس تشويها غريبا للزمن
«الوقت لم يتقدم إطلاقا…»
بل إن هذا كان…
طقطقة—
«…!»
إحساس لامسني، فشد نظري
من بعيد جدا، شعرت بطاقة لا تخطئها الحواس
وجهت إدراكي نحوها، ومددت نطاق شعوري إلى أقصاه
ثم رأيتها
بعيدا في الأفق، كانت السماء ملطخة بالأحمر، وسحابة عاصفة داكنة تلوح هناك
وفي الوقت نفسه…
«لا يمكن…»
شعرت بنبض مألوف لطاقة البرق، نوي-غي، يأتي من ذلك الاتجاه
من دون تردد، قفزت نحوه
كانت سرعتي أسرع من قبل، مدفوعة بإحساس مختلف تماما عن اليأس والقلق السابقين
كيف أسمي هذا الإحساس؟
لا أدري
كل ما أدريه أنني يجب أن أواصل التحرك
اندفعت عبر الغابة المقفرة، مررت بمبان متداعية وأشجار متعفنة
كانت نواة طاقتي تصرخ وهي تقترب من حدها، لكنني تجاهلتها
واصلت الركض
كانت المسافة تنكمش شيئا فشيئا
كلما اقتربت، اشتدت رائحة الدم حتى لسعت أنفي
الرائحة الطاغية جعلتني أعبس بلا وعي
تجاهلتها، وأخيرا وصلت إلى وجهتي
والمشهد أمامي كان كافيا ليجعلني عاجزا عن الكلام
كيف لا يكون كذلك؟
دوّي… قعقعة!
في السماء العليا، الخالية من أي سحب، تشكلت سحابة عاصفة ممتلئة بطاقة البرق، تتصادم مع المشهد السريالي على الأرض أسفلها
كانت الأرض مغطاة بالجثث، وبرك الدم تتمدد من حيث سقطوا
كلهم كانوا يرتدون زي محاربي تحالف موريم
خَشخشة
خطوت للأمام
كان المشهد الوحشي المرعب واضحا أمامي، لكنني بالكاد استوعبته
من البداية، كان تركيزي منصبا على شخص واحد فقط
الرائحة المقززة للدم، الجثث التي تغطي الأرض
لا شيء من ذلك كان يهمني
لم يكن يهمني سوى شيء واحد
وسط البركة الدموية التي صنعتها الجثث، رأيت هيئة واحدة تقف وحدها
خَشخشة
رغم صوت خطواتي فوق الدم، لم تُبدِ أي علامة على أنها لاحظتني، بقيت باردة لا مبالية
خطوت خطوة أخرى أقرب
ثم أخرى
تجاهلت ارتجاف ساقي، وواصلت التقدم حتى التقت نظرتها بي أخيرا
عينان زرقاوان باردتان اصطدمتا بعيني
كان مظهرها تماما كما أتذكره
شعرها الأبيض الرمادي، وبشرتها كالخزف
كان جسدها كله مغمورا بالدم، لكنني كنت أعرف أنه ليس دمها
بل دم من ذبحتهم
«آه…»
خرجت زفرة متعبة من شفتي حين تأكدت
أمالت رأسها باستغراب من رد فعلي
حتى تلك الحركة كانت تماما كما أتذكرها
«…»
وأنا أنظر إليها، طفت الذكريات
…في جحيم حياتي الماضية، كانت هناك امرأة لم أفهمها قط
لماذا كانت تطارد القمر دائما؟
ولماذا كانت تلوح بسيفها يوما بعد يوم، كأنها تريد قطع العالم؟
لم أكن أعرف عنها شيئا
حياتي كانت قاسية لدرجة أنني لم أملك حتى فرصة لملاحظتها
ولم يتغير ذلك، حتى عندما وضعت حياتها لأجلي من دون تردد
الآن، وبالتعبير الغامض نفسه، وجهت سيفها إلي وسألت
«…من… أنت؟»
كان في صوتها تهديد خفيف
كانت بلا شك…
…إمبراطورة السيف الشيطانية التي أتذكرها، ما غيومهو