الفصل 13: شارة السبج
«لقد أفسدت كل شيء…»
كان هذا أول ما خطر ببال غو يانغتشون عندما عاد إلى مكانه
«تهوّرت… تهوّرٌ قاتل»
«يا لي من أحمق، لماذا فعلت ذلك»
تذكرت كيف انهارت غو يونسو على الأرض بعد الصفعة، وكان أنفها ينزف أيضاً
جسدي ضعيف جداً ولم أضخ فيه طاقة، لذا على الأرجح أنني لم أتسبب بضرر خطير
«لكن حتى مع ذلك، تجاوزت الحد»
ولم أقصد بالـ«تجاوز» الصفعة نفسها، فهي من جهتي كانت مبرَّرة فعلاً
المشكلة أنني حطمت سمعة غو يونسو
هل كان لابد حقاً أن أُرغم واحدة من ذوي دم غو على أكل التراب بتلك الصورة البائسة أمام كل ذلك الحشد وفي قلب مهرجان العشيرة
كان من المفهوم أن تفقد غو يونسو أعصابها لصغر سنها
أما أنا فعمري يقارب ضعف عمرها إن جمعت سنيَّ هذه الحياة وسنوات حياتي السابقة، ومع ذلك تركت مشاعري تتحكم بي
«ما زلت ساذجاً جداً رغم كل هذه التجربة»
تمهل، أليست الغلطة غلطة الشيخ الثاني الذي حرّضني على هذا وهو بهذا العمر
…ولماذا أسأل أصلاً، بالطبع هي غلطته
— فشش…
مرّت نسمة ربيعية وتركت خلفها همساً يداعب أذني
لا يزال النسيم الربيعي بارداً رغم انقضاء الشتاء
أستطيع احتمال البرد حتى بملابس خفيفة بفضل طاقة اللهب في جسدي
«آتشش»
التفتُّ إلى مصدر العطسة فوجدت مو يون ووي سول آه واقفين هناك
تقدمت وي سول آه نحوي بينما حيّاني مو يون، وفي يدها لفافة قماش
«ما الذي تحملينه بيديك»
«سيدي الصغير… يدك…»
نظرت إلى يدي
جلد راحتي متقشر وقليل من الدم يسيل
وذلك لأنني صفعت غو يونسو بينما كان جسدها لا يزال مغموراً بالطاقة
ومن يملك طاقة في جسده يكون تعافيه أسرع من الشخص العادي، فجرح كهذا يلتئم سريعاً
«هذا لا شيء، أنا بخير—»
قبل أن أكمل، سارعت وي سول آه إلى لف يدي بالقماش على نحو مرتبك لا تتقنه بعد
أردت أن أتولى الأمر بنفسي، لكنني لم أستطع إيقافها عندما رأيت الدموع تتساقط من عينيها
كانت مبتهجة وهي تشاهد الشيخ الثاني يبرح بنغ ووجين ضرباً، لذا رؤية ردّها هكذا على إصابة صغيرة أدهشني قليلاً
«تضميد وي سول آه للجراح… يبدو رائعاً بصراحة»
سيدة القمّة في المستقبل تُضمّد يدي، أليس هذا مدعاة للفخر
توقفت أخيراً عن اللف بعدما صارت يدي مثخنة بضعف حجمها
قالت وي سول آه بصوت يوشك على البكاء
«سيدي الصغير، هل يؤلمك كثيراً…»
«لم يكن يؤلمني في البداية، لكن بعد هذا أشعر أنه يؤلم»
«يعني أنه لا يؤلم، أليس كذلك؟ الحمد لله…»
«…نعم»
«هل لا تسمعين إلا ما تريدين سماعه»
تمشيت قليلاً في الليل أدور حول مكاني
هل غو يونسو بخير
«لا يهم»
قررت أن لا أقلق
فالعلاقة العائلية الفاسدة أصلاً لن تُصلَح من الآن
لا بالنسبة لغو يونسو، ولا بالنسبة لي أيضاً
حين عدت إلى مكاني كانت الأضواء مشتعلة في غرفتي، فسألت إحدى الخادمات القريبات عمّا يحدث
أجابت بدهشة قائلة «هاه…؟ قالوا إنهم أخبروك مسبقاً…»
فتحت الباب لأرى من بالداخل، فكان هناك
«أوه! السيد الصغير غو»
مجنون… لا، إنه بنغ ووجين
—
«مرحباً، اسمي بنغ ووجين»
«أعرف يا سيد بنغ»
«يمكنك مناداتي بالأخ بنغ»
«لا أظن أن قربنا يسمح بذلك…»
ما الذي يفعله هذا المجنون هنا
ولماذا كانت بنغ آه هي تغطي وجهها إلى جواره
بدت محرجة إذ احمرّتا أذناها
جذبت بنغ آه هي ثوب أخيها بعنف وقالت
«أخي… ألا ينبغي أن نعتذر أولاً عن شيء فعلناه»
كنت أسمع الحرج في صوتها المرتجف
وما إن سمعت بنغ آه هي حتى لمعت الفكرة في رأس بنغ ووجين
«صحيح… كان ينبغي أن آتي وحدي بما أنكما انفصلتما، أعتذر لعدم انتباهي»
«يا إلهي… يا غبي»
اتفق مع بنغ آه هي
لم تجد بداً من التحدث نيابة عن أخيها
«نعتذر لقدومنا في هذا الوقت المتأخر دون إخطار مسبق، فـ… الـــ… أخي المجنون… أخي كان يريد حقاً أن يراك ولم أستطع منعه»
«السيد بنغ؟ يريد رؤيتي أنا»
«يمكنك مناداتي بالأخ بنغ»
«سأكتفي بهذا»
لا أريد التورط معه
جلس بنغ ووجين صامتاً مبتسماً، لا يقول شيئاً، بينما يبرد الشاي الذي جلبه الخدم
«إذاً ما الذي جاء بك…»
أجاء ليشتكي مما فعله الشيخ الثاني به؟ لا يزال الانتفاخ الأحمر على جانب وجهه واضحاً
تلك هي البقعة التي ضربه فيها الشيخ الثاني
«قال إنه ضبط قوته…»
كيف يكون هذا «ضبطاً للقوة»؟ هل يعني أن قليلاً أكثر من القوة كان ليفجّر الرؤوس بلكمة
«…»
حتى مجرد الفكرة مخيف، وقد تكون ممكنة فعلاً
«لا علاقة لي بما فعله الشيخ الثاني بك، أقسم أنني حاولت إيقافه»
«عمّ تتحدث»
هاه، أتراه لم يأتِ لهذا أصلاً
بدأ بنغ ووجين يتكلم وأنا أُظهر حيرتي
«أردت رؤيتك فحسب بعدما سمعت أنك الأخ الأصغر لـ«العنقاء السيفية»»
«أأنت قريب من أختي الكبرى»
لم أسمع قط أن بنغ ووجين قريب من غو هويبي، ولأكون صريحاً أنا نفسي لست قريباً منها جداً
لكن إن قورنت علاقتي، فأنا أقرب إلى غو هويبي من غو يونسو
«كنت أعدها قريبة، لكنني لست متأكداً مما تعتقده هي»
إذاً غالباً لست قريباً
فشخصية غو هويبي ليست من النوع الذي يأنس بأمثال بنغ ووجين، والأقرب أنها ستبدأ قتالاً معه بدل أن تبدأ علاقة
«لهذا جئت لأراك»
«ولماذا تريد رؤيتي أنا؟ لست شخصاً مميزاً»
ماذا يريد من شخص عديم الجدوى مثلي، هاه
وفوق ذلك فالعشيرتان ليستا على وفاق بعد فسخ الخطوبة
قال بنغ ووجين
«كنت أظن أن «العنقاء السيفية» وحدها الممتعة في عشيرة غو، لكن اتضح أن هناك واحداً آخر»
أيقصدني أنا
«ممتع»… إنه يتحدث عن «المتعة» مجدداً، تماما كما رأيته أول مرة، دائب البحث عن «المتعة» التي لا أفهمها حقاً
إنه بلا شك شخص غريب
ومع ذلك فهذا ليس غريباً جداً، فقلما يكون سادة الفنون القتالية أشخاصاً طبيعيين
وبالطبع ما زلت لا أريد التورط معه
قد يكون من المفيد أن أنال ودّ بنغ ووجين بما أنه سيصبح «ملك السيف» في المستقبل، لكن…
«هذا الرجل عصيّ على الفهم»
يصعب فهمه جداً بسبب طباعه العجيبة
«إن أردت لقاء أحد من غو، فاذهب لرؤية أختي بدلاً مني، أنا لست مميزاً»
«على الأرجح لن أستطيع رؤيتها لو ذهبت الآن»
«…لا داعي لأن تذهب الآن، اذهب غداً»
أهي لا تزال فاقدة الوعي يا ترى
«لقد جئت لأرى السيد الصغير غو، ولا يهمني الآنسة غو حقاً»
«أخي، ألا يمكنك أن تتعلم ألا تقول بعض الأشياء أحياناً»
«هم، آسف، لست بارعاً بذلك»
«ما الذي سأفعله مع هذا الشخص»
شعرت بأن الصداع يعود من جديد
أخرج بنغ ووجين شيئاً من جيبه
«هذه هديتي لك»
«هدية»
كان شيئاً أشبه بشارة خشبية سوداء صغيرة نُقش عليها «بنغ» بالذهب، ولم يبدُ عليها شيء خاص، لكن بنغ آه هي صُدمت كأنه أعطاني شيئاً ثميناً للغاية
«أخي، أليس من العبث أن تعطي هذا هكذا»
«وما المشكلة، أعطوني إياه لأستخدمه، ومن أعطيه إياه قراري أنا»
«لكن رغم ذلك…»
«ما هذا»
«هذه في الأساس بطاقة ضيف لعشيرة بنغ، إن جئت بها ستُعامَل معاملة فرد من عشيرة بنغ»
«أرجوك خذه مجدداً…»
لماذا يعطيني هذا
إن أخذته شعرت بأنني سأتورط مع بنغ ووجين لا محالة
«لكنني قد فسخت الخطوبة مع عشيرتكم، لذا…»
«لا يهمني ذلك»
«أنا يهمني يا أخي»
«تفضل بها يا سيد غو»
تجاهل بنغ آه هي تماماً
سيكون حسناً أن أنال وُدّ عشيرة بنغ
لكنني لا أفهم لماذا يعاملني بنغ ووجين هكذا
«ما رأيك أن تحتفظ بها وتعطيها لأختي الكبرى بدلاً مني؟ سمعت أنك قريب منها—»
«كنت سأفعل، لكن «العنقاء السيفية» لم تكلف نفسها حتى عناء الاستماع إليّ، وهذه شارة ثمينة… لماذا ترفضها»
لقد رُفض بالفعل، اللعنة
«إذاً ماذا عن أختي الثانية»
«أعطيك إياها لأنني مهتم بك أنت»
«…أنا أحب النساء يا سيد بنغ»
«أوه، وأنا أحب النساء بالطبع… ثم ربما لا؟ على الأرجح نعم»
لماذا تتساءل بهذا… لقد أقشعر جلدي
استعاد بنغ ووجين «شارة السبج» واجماً قليلاً عندما واصلت رفضي لها
أما بنغ آه هي فلم تستطع أن ترفع رأسها بعد فعل أخيها المجنون
على الأقل هي طبيعية
كلما مضى الوقت أردت أن أستلقي أكثر على السرير
فقد أجهدت جسدي كثيراً بسبب النزال وأصبحت مرهقاً حقاً
ولاحظ بنغ ووجين تعبي فوقف ليغادر رغم أنه بدا لا يزال متحسراً
يبدو أن هذا كان كل ما جاء لأجله
سألني بنغ ووجين وهو على وشك المغادرة
«هل ستلتحق بأكاديمية التنين السماوي»
«همم، على الأرجح»
فالعيش كمقاتل من الفصيل الأرثوذكسي يعني ضرورة المرور بأكاديمية التنين السماوي التابعة لتحالف موريم
صحيح أنه يمكن تعلم قدر كافٍ من الفنون القتالية داخل العشيرة وحدها، لكن لكي تُعترف كسيف مؤهل لإغلاق بوابات الشياطين فلا بد من التخرج في أكاديمية قتالية بعد أن تُدرّس كل ما يتعلق بالشياطين
وبالطبع توجد أكاديميات قتالية في أماكن أخرى أيضاً، لا في أكاديمية التنين السماوي وحدها
لكن لأبناء الفصيل الأرثوذكسي من البديهي دخول أكاديمية التنين السماوي
«لكن عليّ أن أفكر بطريقة للهروب»
فالدراسة تمتد لعام كامل
وليس لدي فراغ لأهدر عاماً كاملاً هكذا
«حسناً، إذاً ستصبح تابعاً لي»
ربت بنغ ووجين على كتفي مبتسماً
يحاول أن ينسج رباطاً معي عبر الأكاديمية بعدما لم تنجح طرقه الأخرى
«أهو لأنني فزت على غو يونسو ثم صفعتها بقوة بعدها؟ لماذا هو مهووس بي هكذا»
حتى لو فعلت ذلك امرأة لكان غريباً، فكيف برجل يبدي كل هذا الاهتمام بي، لقد اقشعر بدني
توقفت بنغ آه هي وهي تتبع أخاها إلى الخارج لتنظر إليّ
«ماذا»
«قلت لك أن تحدثني باحترام، فأنا أكبر»
«قلتِ إن كلامي الرسمي يجعلك تتقيئين، فما الذي تريدينه بالضبط»
ترددت بنغ آه هي قليلاً ثم قالت أخيراً
«أنا أعتذر»
«ولماذا تعتذرين فجأة»
«…عندما أسقطتك وكسرت ذراعك يوم أُلغيَت خطوبتنا»
«…حقاً فعلتِ»
وهل مررت بشيء مخيف كهذا
«ماذا قلتُ لأدفعك لفعل شيء مرعب كهذا…»
«قلت إنني ابنة جارية أو ما شابه»
«إذاً أستحق ما جرى»
بصراحة ربما كنت أستحق كسر كلتا ذراعيّ لأجل ذلك، لذا بدا غريباً أن أراها تعتذر بدلاً من ذلك
«لا داعي لاعتذارك، بل أنا من ينبغي أن يعتذر، أعتذر عن تصرفي يومها»
فما دمنا في الموقف نفسه كان قولي لها ذلك القول نفاقاً محضاً
لم يكن سوى كبريائي
لا أدري إن كانت قبلت اعتذاري أم لا، لكن تعبيرها بدا ألطف على الأقل
«دمت بخير»
«ودمتِ بخير، وبغض النظر عن كرهك لما أعطاكِ أخي، فقد أعطاه بنية حسنة، فاستخدميه متى شئتِ»
«أعطاني ماذا، ظننت أنني أعدته—»
شعرت بشيء في جيبي
ولما فتشت أخرجت الشارة الخشبية السوداء
«متى…!»
…حين ربت على كتفي
هل وضعها حينها
ضحكت ضحكة خاوية
«يا له من مجنون»
زفرت وأعدت «شارة السبج» إلى جيبي
—
في اليوم 3 من مراسم التنانين التسعة
كان يوم احتفال ومرح، لكنني دخلت العربة لأعود إلى العشيرة بأسرع ما أستطيع
سمعت أن غو يونسو قد غادرت عند منتصف الليل
«استفاقت، لحسن الحظ»
أنا ممتن لأنها أفاقت دون ضرر دائم، لكن بات أصعب عليّ أن أواجهها الآن، وقد كان الأمر صعباً أصلاً
وبعد إتمام التجهيزات انطلقت العربة
كنت أحاول أن أستريح، لكن وي سول آه بدأت تميل برأسها إلى كتفي وهي تغفو
سارعت إلى مناولتها لخادم آخر بينما بدأت أنا أيضاً أغفو